سامي عطا

سامي عطا / لا ميديا -
في خضمّ الفوضى التي أعقبت أحداث عدن في العام 2015، برزت عبارة «الحوثيون احتلوا عدن» كوصف مختزل ومضلّل، لا يعكس تعقيد الواقع بقدر ما يخدم أجندة سياسية وعسكرية محددة. إن تفكيك هذه الأسطورة ليس ترفاً أكاديمياً، بل ضرورة لفهم كيف صُنعت الشرعية الزائفة لاحتلال اليمن تحت ذريعة «دعم الشرعية» و»مواجهة الاحتلال الحوثي».

 الجيش المنقسم وجذور الصراع
لفهم حقيقة ما جرى في عدن، لا بد من العودة إلى لحظة انتقال السلطة عام 2011. عندما أُجبر صالح على تسليم السلطة، لم تخضع القوات المسلحة لأي عملية توحيد أو إصلاح حقيقي. انقسم الجيش فعلياً إلى قطبين: الحرس الجمهوري والألوية الموالية لصالح من جهة، والفرقة الرابعة بقيادة علي محسن الأحمر من جهة أخرى. في اليمن، لم تكن البنادق يوماً ملكاً للدولة، بل كانت ملكاً للأفراد. هذا الإرث (جيش مخصخص) هو المفتاح لفهم كل ما جرى لاحقاً.

من كان يهاجم عدن فعلاً؟
السجلات القتالية لأوائل أبريل 2015 تكشف بوضوح مَن كان الطرف المهاجم الحقيقي. في 5–6 أبريل، اندلعت اشتباكات عنيفة في عدن. لكن التقارير نفسها تعترف بأن «المسلحين الحوثيين» تلقوا دعماً من «قوات أمنية متحالفة مع الحوثيين»، وهذه القوات الأمنية هي بالضبط قوات صالح.
والأهم من ذلك هو شكل القتال: قوات صالح نشرت قناصة ودبابات ثقيلة في محاولة لاقتحام ميناء عدن الرئيسي، وقصف المدنيين والمنشآت الوطنية. هذا هجوم مدرّع بنمط جيش نظامي، وليس شيئاً يمكن للحوثيين أن ينفذوه منفردين حينها. بحلول منتصف أبريل، اتضح المشهد أكثر: «مسلحو الحوثي، بدعم من قوات صالح»، نفذوا عملية في حي التواهي أسفر عنها مقتل اللواء علي ناصر هادي، قائد المنطقة العسكرية الرابعة الموالية للرئيس هادي.

عدن أرض يمنية - لا احتلال في الوطن
النقطة الجوهرية التي تتجاهلها السردية السائدة: عدن مدينة يمنية، والحوثيون يمنيون. وجود قوات يمنية في مدينة يمنية -أياً كان التقييم السياسي لهذا الوجود- لا يمكن تصنيفه قانونياً أو منطقياً بأنه «احتلال». الاحتلال، بمعناه القانوني والدولي، يقتضي وجود قوة أجنبية تسيطر على أرض ليست أرضها. أما الحوثيون، فهم جزء من النسيج الوطني اليمني، وكان وجودهم في عدن امتداداً طبيعياً لانتشارهم في بقية المحافظات اليمنية.
بل إن الأخطر في هذه السردية أنها تخلق تمييزاً مصطنعاً بين «يمنيين شرعيين» و»يمنيين محتلين»، وكأن الحوثي ليس يمنياً، وكأن وجوده في أي محافظة يمنية هو «احتلال» يستدعي تدخلاً أجنبياً. هذا التمييز هو بالضبط ما مكّن تحالف العدوان من تقديم نفسه «محرراً» و»مدافعاً عن الشرعية»، بينما هو في الحقيقة قوة أجنبية احتلت اليمن باسم مواجهة «الاحتلال الحوثي» الوهمي.

وظيفة الأسطورة: شرعنة العدوان
تصنيف معركة عدن 2015 بأنها «احتلال حوثي» يخدم هدفاً سياسياً محدداً: توفير غطاء شرعي للتدخل العسكري السعودي. عندما أطلق التحالف السعودي ضرباته الجوية في 26 مارس، أعلن أن هدفه «حماية شرعية هادي، وإجبار الحوثيين على الانسحاب من المدن التي احتلوها».
لكن إذا كانت الحقيقة أن الحرس الجمهوري بقيادة صالح هو المهاجم الرئيسي في عدن، فإن أهداف الضربات السعودية ليست «مليشيا حوثية مدعومة إيرانياً» فحسب، بل تحالف عسكري يضم قوات الرئيس السابق والحوثيين معاً. هذا التمييز جوهري، لأن الاعتراف بدور صالح القيادي يعني الاعتراف بأن حرب 2015 لم تكن في جوهرها صراعاً بين «وكيل إيراني» و»حكومة شرعية»، بل كانت استمراراً لصراع داخلي على السلطة في أروقة النظام القديم.

القناة السرية - خيانة مدفونة
هناك حقيقة يتكرر ذكرها دون مساءلة جدية: وجود قناة سرية «لتبادل المصالح» بين صالح والإمارات. خلال معركة عدن، انسحبت قوات صالح عدة مرات دون علم الحوثيين. هذه «الانسحابات المفاجئة» لا تُفسَّر عسكرياً، لكنها تتسق تماماً مع غريزة صالح السياسية: تقديم أوراق اعتماد سرية للإمارات، وضمان خط رجعة لنفسه. مقتل صالح على يد الحوثيين عام 2017 يثبت هشاشة هذا التحالف، ويثبت أيضاً أن «صالح» لم يعتبر قضية الحوثيين قضيته يوماً.

الحقيقة والوظيفة
«الحوثيون احتلوا عدن» وسم إعلامي فائق الكفاءة؛ بسيط، أبيض وأسود، ويخدم أجندة جيوسياسية محددة. لكن الحقيقة التاريخية لا تخضع لكفاءة التوصيل.
الذي احتل عدن فعلاً هو تحالف عسكري كانت قوات صالح النظامية عموده الفقري، والحوثيون فيه عنصر مساعد. والأهم من ذلك: حتى لو كان الحوثيون هم الطرف الرئيسي، فإن وجودهم كان على أرض يمنية، ولا يمكن وصفه بـ»الاحتلال» إلا في إطار سردية تهدف إلى تجريدهم من وطنيتهم، وتبرير تدخل أجنبي دمر اليمن وقتل مئات الآلاف.
الوظيفة الحقيقية لهذه الأسطورة لم تكن وصف الواقع، بل صناعة ذريعة؛ ذريعة لتحالف العدوان لاحتلال اليمن، وذريعة لتغطية جرائم الحرب التي ارتُكبت باسم «مكافحة الاحتلال الحوثي». وهكذا، تحوّلت كلمة «احتلال» من وصف قانوني دقيق إلى سلاح إعلامي يخدم المحتل الحقيقي، ويمنح الغطاء لمن حوّل المدن اليمنية إلى أنقاض.

أترك تعليقاً

التعليقات