دمشق - خاص / لا ميديا -
ضجت وسائل الإعلام والرأي العام في سورية، بمشروع قانون، مقدم إلى مجلس الشعب السوري الجديد، حول العزل السياسي، حيث يريد صاحب مشروع القانون، تطبيقه على كل من كان له علاقة بنظام الرئيس بشار الأسد، منذ بدء الأزمة السورية في آذار عام 2011، وحتى سقوط نظامه في 8 كانون الأول/ ديسمبر في العام 2024.
مشروع القانون يشمل كل مسؤولي وكوادر السلطة السابقة، من رؤساء حكومات، ووزراء ونوابهم، وأعضاء مجلس الشعب، والمحافظين ونوابهم، والقيادات الحزبية، والضباط، والمدراء العامين، والقضاة، ورؤساء الجامعات، وعمداء الكليات، وكل من يثبت أنه «دعم النظام السابق أو ساهم في استمراره» مثل رجال الأعمال، والإعلاميين، والفنانين، والأدباء، والكتاب، ورجال الدين غيرهم.
والعزل السياسي بموجب مشروع القانون، هو حرمان شخص، أو فئات محددة في المجتمع، من ممارسة بعض الحقوق المدنية والسياسية، مثل تولي المناصب العامة، أو الترشح للانتخابات، خلال فترة زمنية محددة، أو بصورة دائمة، وقد تصل الأمور عند البعض، إلى المحاكمات والسجن.
تحديد من يشملهم القانون، واستخدام عبارة مفتوحة، وبدون تعريف قانوني دقيق، ستجعل دائرة العزل، تشمل ملايين السوريين، الذين بقوا في وطنهم، ومارسوا حقهم في العمل، وتولي الوظائف والإدارات، سواء بدافع القناعة أو لأسباب اجتماعية وإدارية أو بحكم ضرورات الوظيفة.
مشروع القانون، ورغم أنه لم يناقش بعد، لكنه أثار موجة من النقاش والجدل والانتقادات، عند معظم شرائح المجتمع، والنخب السورية، التي رأت فيه جملة من المخاطر، على الدولة والمجتمع، بما فيها على سلطة الجولاني، وتركزت الانتقادات، على العديد من النقاط، التي تمس الدولة والمجتمع:
- مخالفة مشروع القانون للأسس الدستورية والقانونية، وللقانون الدولي، وحقوق الإنسان، والتي تؤكد بأن العزل لا يجوز أن يتم لمجرد الانتماء السياسي أو شغل وظيفة عامة، وإنما بشكل فردي، ويجب أن يستند إلى محاكمة عادلة أمام قضاء مستقل، وفي حال تحول إلى عقوبة جماعية فإنه يفقد طبيعته القانونية، ويتحول إلى وسيلة للإقصاء السياسي، وإعادة تشكيل الدولة والمجتمع، وفق معايير الولاء فقط.
- مشروع القانون يفرغ مفهوم «العدالة الانتقالية» التي تعتبر من مرتكزات الحكم الجديد، لمحاكمة الفترة السابقة، من محتواه، ليصبح عملية انتقائية وإقصائية، تخص جهة واحدة في المجتمع، بغض النظر عن الجدل الدائر في المجتمع السوري، حول أطراف الصراع، على مدى أربعة عشر عاماً، وعن قانونية وصحة خيارات كل طرف.
- يفرغ مؤسسات الدولة، من معظم الكوادر والكفاءات، وخاصة مما تبقى منها بعد إقالة وفصل أعداد كبيرة من هذه الكوادر بعد التغيير، وهذا سيؤدي إلى خلل رهيب في إدارات ومؤسسات الدولة، خاصة وأن النظام الجديد يفتقر بشكل شبه كامل لمثل هذه الكوادر.
- يأتي مشروع القانون وسط جدل وتساؤلات قانونية حول أحقية السلطة الانتقالية في إصدار مثل هذا القانون، لأن السلطة الحالية تأخذ صفة الانتقالية التي تشكلت في ظروف خاصة، ولم تصل إلى الحكم عبر انتخابات عامة، ولم تأخذ بعد مشروعيتها الوطنية والدولية.
- يزيد الجدل حول شكل هوية الدولة، التي يعمل نظام الجولاني على بنائها، بين أن تكون دولة محكومة بدستور وطني ومؤسسات وقانون، أو سلطة لطرف واحد تمارس الانتقام والإقصاء الجماعي لكل أطراف المجتمع الأخرى.
- سيؤدي إلى زيادة حالة عدم الاستقرار التي يعاني منها المجتمع السوري، بسبب الفساد المستشري في مؤسسات السلطة الجديدة، وغلاء الأسعار، وعدم توفر فرص العمل، والبطالة، وانعدام الأمن، وهو ما سيحول ملايين السوريين إلى مواطنين من الدرجة الثانية، وسيجعلهم يعيشون حالة من الشعور بالغبن والظلم، ويزيد من حالة الاحتقان السياسي والاجتماعي، والأخطر بأنه سيضعف شعور معظم السوريين بالانتماء إلى الدولة الجديدة، وهو ما سيفتح الباب أمام مخاطر استغلال ذلك من قبل تنظيمات وجهات خارجية تعمل ضد سورية.
إضافة إلى مخاطره الداخلية، فإن مشروع القانون، يتعارض مع متطلبات الدول الراعية للنظام الجديد والمؤثرة في الملف السوري، ومع ما هو مطلوب من النظام تطبيقه، كشرط لتعويمه واستكمال رفع العقوبات عن سورية، كمقدمة لا بد منها، لانطلاق عجلة إعادة الإعمار وبناء مؤسسات الدولة.
من السهل ملاحظة أن مشروع القانون يتجاوز عملية اجتثاث البعث التي تمت في العراق بعد سقوط نظام الرئيس صدام حسين، وما تركته هذه العملية من آثار سلبية في المجتمع العراقي لا يزال يعاني منها العراقيون حتى الآن، وكانت أحد الأسباب الرئيسية في ظهور الجماعات المتطرفة.
كما أنه مخالف للسياسات والحلول التي انتهجها معظم الدول التي شهدت صراعات داخلية، وانتهت بمصالحات داخلية أنقذت المجتمع والدولة، وأدت إلى بناء اجتماعي ومؤسساتي سليم، كما حدث في جنوب أفريقيا، ورواندا، وفي ألمانيا ما بعد النازية.
آراء النخب والمجتمع السوري تجمع على أنه ليس المطلوب الإفلات من العقاب، وإنما العدالة الحقيقية ومحاسبة مرتكبي الجرائم بشكل فردي من خلال قضاء مستقل، وضمان حق الدفاع والطعن، والحفاظ على مؤسسات الدولة، على أن تشمل المحاكمات كل الأطراف، وليس طرفا واحدا وأن يترافق ذلك مع إطلاق مصالحة وطنية شاملة، تقوم على الحقيقة والإنصاف لا على الانتقام والإقصاء.
القانون لا يزال مشروعاً، وستتم مناقشته في مجلس الشعب الجديد، لكن ما هو متوقع أنه سيثير الكثير من الجدل داخل المجلس، رغم أنه تم اختيار معظم أعضائه من قبل السلطة الحاكمة، لكن الآثار الخطيرة والكبيرة التي يثيرها القانون في حال تم إقراره -كما هو- سينتج عنه آثار سلبية خطيرة على الدولة والمجتمع، وسيعطي انطباعاً سلبيا جداً عند الدول الراعية والمؤثرة في الملف السوري، وقد يؤدي إلى وقف محاولات رفع اسم سورية من قائمة «الدول الراعية للإرهاب»، ورفع العقوبات المفروضة عليها، ولذلك من المتوقع أن يتم التدخل من قبل السلطة، وتوجيه المؤيدين لها، والذين يملكون أغلبية في المجلس، لمنع إقرار هذا القانون أو على الأقل تعديله.