دمشق - خاص / لا ميديا -
تعيش سورية، هذه الفترة، ظاهرة جدل، وتسريب أخبار عديدة، وشائعات، وشائعات مضادة... تشير إلى حالة عدم استقرار سياسي واقتصادي واجتماعي، يعيشها الشعب السوري، وسط غياب المؤشرات التي يمكن أن تبعث الأمل بأن الأمور تسير نحو الأفضل.
حوالى عامين مضيا منذ التغيير الدراماتيكي الذي حصل، وما زال السائد هو غياب الرؤية السياسية والاقتصادية الواضحة، ولا يزال المنبر تحت أقدام القوى المتطرفة والمتعصبة، والتقدم بطيئاً للنخب وقوى المجتمع المدني، الذي لم يستعد زمام المبادرة بعد.
كثيرة هي المواضيع والأخبار، التي تشغل الشارع والمجتمع السوري هذه الأيام، من حديث مفتي سورية، الشيخ أسامة الرفاعي، عن الخلفية الدينية لرئيس السلطة (أبو محمد الجولاني) إلى المظاهرات التي شهدتها سورية، على خلفية رفع أسعار الوقود بنسبة 40 بالمئة، وما تلاها من موجة غلاء، إلى الحديث عن تغيير كبير قادم في بنية السلطة السورية، إلى حفلة الفنانة أصالة نصري والجدل الذي اثارته، وأخبار أخرى كثيرة ومتفرقة.
فقد أثار الخبر الذي تم تسريبه بمقطع الفيديو لمفتي سورية الشيخ أسامة الرفاعي، والذي كشف فيه تحول رئيس السلطة (أبو محمد الجولاني) من المذهب السلفي إلى مذهب الأشاعرة الصوفيين المعتدلين، والذين يشكلون غالبية المجتمع المسلم السني في دمشق وعموم سورية، أثار اهتماماً كبيراً، وجدلاً واسعاً، لكنه كان أكثر وقعاً على المتشددين والمتطرفين، الذين كانوا يحسبون الجولاني على معتقداتهم. 
كلام المفتي الرفاعي يؤكد وجود تيارين داخل السلطة السورية، الأول: التيار المعتدل، الذي يمثله الجولاني، ويدعو ويسعى لبناء الدولة المدنية؛ والتيار المتشدد، الذي يدعو إلى أسلمة سورية وفق منهجه التكفيري المتطرف والمتشدد، والذي يؤدي إلى عزل الدولة السورية وتحويلها إلى دولة منبوذة وراعية للتطرف والإرهاب. 
وما يعطي الأهمية الكبيرة لهذا الكلام هو أنه يعطي دفعة قوية لمناهضي الفئات المتطرفة والمتشددة، والتي تسببت بالانتهاكات والمجازر التي وقعت في الساحل والسويداء، وبحالة الانفلات الأمني التي تشهدها مختلف أنحاء سورية، ويؤكد أن معركة السوريين هي مع هذه الفئات المتشددة، التي تريد تنفيذ مخططاتها الظلامية، على حساب سورية، وأن تحرمها التقدم والعودة إلى مكانها الطبيعي، الإقليمي والعالمي، وهو ما أكدته ظاهرة الداعية الإسلامي المصري المعروف باسم الشيخ الذهبي، والتي أثارت استنكاراً من معظم مكونات الشعب السوري، وخاصة المجتمع الدمشقي، الذي تصدى عبر نخبه الاجتماعية والدينية لهذه الحركات الظلامية، وأثبت أن الشعب السوري منسجم مع انتمائه وثقافته المعتدلة والمتسامحة، والتي عرفت بها دمشق ومعظم المدن والمجتمع السوري. 
إعلان رفع أسعار البنزين والمازوت، بنسبة 40 بالمئة، والتي تلتها موجة غلاء كبيرة شملت أجور النقل وأسعار معظم السلع، وخاصة الغذائية والتموينية، أثارت موجة غضب عارمة، رافقتها مظاهرات واحتجاجات شملت مناطق في ثماني محافظات سورية.
الملفت في هذه المظاهرات أنها جرت تحديداً في البيئة الحاضنة للسلطة الحالية والفئات المحسوبة عليها، بينما امتنعت بقية المحافظات والمكونات السورية عن المشاركة فيها، ليس لأنها لا تشارك هذه الفئات احتجاجاتها، أو رفضها لسياسات الحكومة، التي تتجاهل الواقع الصعب الذي يعيشه الشعب السوري، وإنما حتى لا توفر هذه المشاركة الفرصة للسلطة لتفريغ الاحتجاجات من مضمونها واعتبارها مسيسة لخدمة أجندات أخرى، غير الاحتجاج على سياساتها، وهو ما يؤكد أن السلطة تفقد تأييد شارعها ومؤيديها وبسرعة.
كما أن الواقع يؤكد أن المعارضين لسلطة الجولاني يدركون، أكثر من المؤيدين له، أن انهيار السلطة في هذه الظروف يشكل خطراً كبيراً على الوضع في سورية، ولذلك لا يفضلون الانقلاب عليها، أو ترحيلها بالعنف وبالمظاهرات، وإنما من خلال مؤسسات الدولة، وبشكل قانوني ودستوري، حتى لا يحصل فراغ آخر يطيح بما تبقى من أسس الدولة في سورية.
أيضاً تسود الشارع السوري حملة أخبار وشائعات عن تغيير جوهري وقريب في بنية السلطة السورية، تؤدي إلى عزل المتطرفين، الذين لا يزالون على القوائم الأممية والأمريكية للتنظيمات والشخصيات الإرهابية، وهم لا يزالون موجودين في الحكومة والجيش وإدارات السلطة.
ما يعطي بعض المصداقية لهذه الأخبار أنها بدأت بحملة عزل مجموعة كبيرة من قادة الفرق العسكرية وضباط الجيش، ومن العديد من مؤسسات السلطة.
كما تتوافق هذه الأخبار مع المواعيد والمهل التي أعطيت للسلطة من قبل الأمريكيين والمقررات الأممية، لعزل الجماعات المتطرفة والأجانب من الجيش ومؤسسات السلطة.
وعادت هذه الأخبار لتعطي دوراً متوقعاً للعميد مناف طلاس، ابن وزير الدفاع أيام الأسدين (مصطفى طلاس) والذي انشق عن نظام الرئيس بشار الأسد منذ بدايات الأحداث في سورية، ويحظى بتأييد معتبر لدى الشعب السوري، كما يحظى بدعم العديد من الدول المعنية بالشأن السوري.
حفلة الفنانة السورية أصالة نصري، والتي كانت معارضة بشدة لنظام الأسد، وهي صاحبة أغنية «ارفع رأسك فوق، أنت سوري حر»ا والتي رافقت عملية التغيير التي جرت في سورية، حظيت باهتمام خاص وأثارت جدلاً واسعاً في المجتمع السوري، تجاوز اعتبارها حدثاً فنياً؛ إذ تحولت إلى موضوع ومنصة للتعبير عن الانقسام الذي يعانيه الشارع السوري، بين من اعتبرها منافية للعادات والتقاليد السورية والإسلامية، ومن اعتبرها تعبيراً عن الروح الفنية والثقافية والاجتماعية التي يتمتع بها الشعب السوري، وطرف ثالث هاجم أصالة بشكل شخصي، نظراً لأدوارها ومواقفها السياسية المتناقضة، خلال تاريخها الفني. لكن الأهم من كل ذلك أن الحفلة أقيمت وسجلت نجاحاً ملحوظاً رجح كفة المؤيدين لسورية مدنية وحضارية ومنفتحة.
وسط هذا الجدل الذي يسود الشارع السوري، يمكن التأكيد أن ما يجري ليس مجرد تعبير عن الرأي، أو اختلاف في وجهات النظر حول المواضيع التي تهم الشعب، وإنما هو صراع حقيقي يدور حول تحديد هوية سورية، الوطنية والسياسية، وتحديد مسارها المستقبلي.
كما يمكن التأكيد أن سورية لن تستمر بهذا الشكل، ولا بد من مجيء اللحظة المناسبة التي سيتم فيها حسم الصراع على هوية سورية، وثمة مؤشرات تؤكد أنها لن تكون إلا منسجمة مع خصوصية الشعب السوري وتاريخه العريق، وهذا ليس بغريب على سورية وشعبها، إذ مر سابقاً الكثير من الغزاة والطغاة، وتغيرت الأنظمة والحكومات والقيادات، وبقيت سورية محافظة على هويتها وروحها.