إعداد:علي عطروس
"عيون عوراء... وحبرٌ واحد يفقأها"
لم تعد المعركة على اليمن تُخاض في البحر والسماء وحدهما؛ ثمة حرب أخرى تدور فوق الخرائط والشاشات، تُقاس فيها الجغرافيا بمصالح الغرب، وتُستدعى فيها المأساة الإنسانية لتجميل الهزائم، وتتحول فيها المنابر الإعلامية إلى غرف عمليات لتوجيه الإدراك وصناعة العدو. من عور الخريطة الصهيونية إلى انتقائية الكاميرا الغربية في تعز، وصولاً إلى سيرك الشاشات الخليجية، تتكشف حكاية منظومة لا ترى في اليمن وطناً وشعباً بقدر ما تراه ممراً بحرياً وساحة نفوذ وملفاً قابلاً لإعادة التدوير. لكن ما تعجز عنه الصواريخ والغارات والتحالفات عن كسره، لن تنجح في إنجازه خرائط عوراء وشاشات مأجورة؛ فحين يعجزون عن إخضاع الميدان، يحاولون احتلال الرواية...
 وهنا تبدأ معركة الحبر.


عور الخريطة الصهيونية: سقوط «أوهام الحسم» قبالة باب المندب
تأتي الدراسة الاستراتيجية الصادرة عن «معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)» بتمويل مؤسسة «كونراد أديناور» الألمانية للباحث والضابط السابق في الاستخبارات العسكرية الصهيونية («أمان») دنيس سيترينوفيتش، المعنونة بـ»منظور إسرائيلي للحوثيين: من حركة محلية إلى تهديد استراتيجي في البحر الأحمر وما بعده»، لتُجسّد البؤس البنيوي والعور التحريري للمعهد والباحث على حدٍ سواء...
حيث تُحاول الدراسة تأطير التحول الاستراتيجي لحركة أنصار الله كـ«تهديد لعبور الملاحة الدولية الغربية»، مستندة إلى رؤية صهيونية وقحة تُسقط الجغرافيا السيادية والإنسان اليمني لتُبقي الممر البحري وحده في مركز المعادلة.

عور «خريطة الممر» وإسقاط الجغرافيا
تُعالج الدراسة الصهيونية العمليات العسكرية البحرية والمواجهة المباشرة من منظور يتجاهل بنيوياً المسببات السياسية والدوافع الاستراتيجية المباشرة التي أطلقتها صنعاء. ينطلق سيترينوفيتش من رسم «خريطة الممر العوراء»؛ والتي تضع باب المندب كـ«أنبوب للملاحة الغربية»، بينما تُعمى عن الشعب اليمني وحقه الناجز في السيادة.
يُسقط التحليل «الإسرائيلي» حقيقة أن العمليات العسكرية اليمنية صُممت كـ«معادلة ردع دفاعية مشروطة» تقوم على مبدأ «الحظر بالحظر، والحصار بالحصار». فبدلاً من الاعتراف بأن صنعاء فرضت حظراً بحرياً ناجعاً لحماية المستضعفين واشترطت إيقاف العدوان لرفع القيود، يسعى الباحث الصهيوني لتظهير الفعل اليمني كـ«عربدة بحرية مجردة»، لشيطنة الموقف وتوفير غطاء استخباري وسياسي إضافي للعدوان المتجدد وموجهاته الغربية.

افتضاح العجز الاستخباري وفشل خيار الجوية
في اعتراف صريح يثقب غطاء الهيبة التكنولوجية لجيش الاحتلال، يضطر ضابط الاستخبارات الصهيوني السابق دنيس سيترينوفيتش للإقرار بوجود «فجوة استخبارية عميقة» تسببت في التقدير الخاطئ والخطير لخطورة الجبهة اليمنية لدى شعبة الاستخبارات العسكرية («أمان») وسلاح الجو الصهيوني.
وتكشف التقييمات الصهيونية عن حدود الفاعلية العسكرية للكيان؛ حيث يُقر الباحث بأن غارات القصف الجوي المكثفة التي استهدفت ميناءي الحديدة والصليف والبنية التحتية، وصولاً إلى استهداف قيادات إدارية، لم تُحقّق أي ضرر استراتيجي دائم بالبنية الصاروخية أو قدرات القيادة والسيطرة لدى أنصار الله.. لتغدو المسألة بأن «القوة الجوية للعدو تصف الجرح الصهيوني بدقة لكنها لا تملك دواءه».

سراب «أرض الصومال» وتداعي الرهانات الترقيعية
تبلغ الورقة الصهيونية ذروة التخبط عندما تصوغ توصياتها الاستراتيجية للحد من النفوذ اليمني؛ حيث تدعو الدراسة إلى:
شرعنة التواجد العسكري في «أرض الصومال»: للحصول على موطئ قدم استخباري وعسكري قبالة خليج عدن.
بناء تحالفات أمنية وكيلة عبر القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM): تعزيز التنسيق الاستخباري مع الرياض والأطراف الموالية للعدوان.
هكذا يتم إعادة تدوير الرهانات الفاشلة والتغطية على العجز البنيوي». فالهروب الصهيوني نحو القرن الأفريقي والتفتيش عن حلفاء وكلاء يفضح حجم الشلل التجاري الكامل الذي كان قد أصاب ميناء «إيلات» وفشل التحالفات البحرية الغربية في كسر معادلة الردع اليمنية. ومحاولات الاستعانة بالقواعد المجاورة لن تمنع الصواريخ والمسيّرات اليمنية من استهداف العمق الصهيوني والمنشآت الحيوية في الرياض ورابغ طالما استمر العدوان.

الفاعل السيادي المستقل وكسر مقولة «الوكيل»
في الوقت الذي تُصر فيه وسائل الإعلام الغربية والخليجية على اختزال القرار اليمني في خانة «التبعية»، يجد الباحث الصهيوني سيترينوفيتش نفسه مجبراً على تفنيد هذه المقولة بنفسه. إذ تُؤكد دراسته أن وصف أنصار الله كـ«مجرد وكيل لإيران» هو «توصيف خاطئ يضلل فهم الواقع»، معترفاً بأن الحركة تمتلك قرارها السيادي المستقل وأهدافها الخاصة.
- منظور «إسرائيلي» للحوثيين: من حركة محلية إلى تهديد استراتيجي في البحر الأحمر وما بعده -دنيس سيترينوفيتش، معهد دراسات الأمن القومي «الإسرائيلي» ومؤسسة كونراد أديناور (أكتوبر 2026).




تعز في واجهة الكاميرا.. اليمن خارج الصورة
المأساة خبراً سياسياً
ليس السؤال ما إذا كانت تعز تعاني؛ فالمعاناة ليست حقاً اختيارياً، وشحّ المياه والغذاء والوقود والدواء ليس مادة للمزايدة السياسية، وأي مدني يُحرم من احتياجاته الأساسية هو ضحية تستحق أن تُسمع صرختها، أياً كان موقعه الجغرافي أو موقفه السياسي..
لكن السؤال الحقيقي والخطير الذي يفرض نفسه هو: لماذا تصبح معاناة تعز، في لحظات عسكرية وسياسية محددة، قضية تتصدر عناوين الإعلام الدولي والصحافة الغربية، فيما يبدو اليمن بأكمله-بسلسلة سنوات حربه وحصاره وجوعه وانهيار خدماته الشاملة-أقل حضوراً بوصفه مأساة وطنية جامعة؟
بين السؤالين مسافة تفصل العمل الصحفي الحر المستقل عن الدعاية الموجهة، والتحقيق النقدي عن مجرد الترويج السياسي لجهة بعينها.. فالأزمة الإنسانية في اليمن لم تنشأ فجأة، وسنوات الحرب والحصار أرهقت البلاد من أقصاها إلى أقصاها، وأثقلت كاهل ملايين اليمنيين في الحصول على مقومات الحياة الأساسية.. ومع ذلك، وحين عادت تعز لتشغل مساحة واسعة من التغطيات الغربية والدولية، لم تظهر المدينة في تقارير الصحافة الأجنبية باعتبارها مجرد جغرافيا يمنية تعاني، بل باعتبارها «نقطة تحول عسكرية محتملة»، ومعقلاً للقوى المناهضة لصنعاء، وموقعاً حيوياً يتحكم في حسابات الطريق نحو عدن والمرتفعات المطلة على البحر الأحمر وباب المندب.
وتؤكد التناولات الصادرة عن المؤسسات البحثية الغربية، كالدراسة التحليلية الصادرة عن «مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية»، أن توقيت هذا الزخم الإعلامي الغربي لا ينفصل عن التصعيد الإقليمي والدولي؛ حيث تُقرأ التطورات الميدانية في تعز والساحل الغربي باعتبارها جزءاً من صراع نفوذ أوسع، وسعياً من الأطراف المسلحة والقوى الدولية لجعل السيطرة الميدانية «ورقة مساومة رئيسية» في أي مفاوضات سياسية أو ترتيبات أمنية مقبلة تتعلق بحرية الملاحة في المضايق البحرية.
وهنا تبدأ الحكاية التي تستحق التفكيك والنقد: هل اكتشف الإعلام الغربي والمؤسسات الدولية فجأة أزمة تعز الإنسانية، أم اكتشف-في توقيت التصعيد العسكري-أهمية تعز الاستراتيجية بالنسبة إلى مصالح واشنطن والعواصم الغربية؟ وهل نحن أمام تغطية إنسانية نزيهة، أم أمام «حرب روايات» تُسخِّر ألم المدنيين لتفسير الميدان لصالح طرف بعينه؟

تعز في عين الغرب.. مدينة إنسانية أم عقدة استراتيجية؟
تظهر المراجعة النقدية للتغطيات الصحفية الغربية أن العدسة الأجنبية تضع الموقع الجيوسياسي لتعز فوق أي اعتبار إنساني، محولةً المدينة من مأساة بشرية إلى عقدة تحكم عسكرية:
- في 16 أكتوبر 2026، نشرت وكالة «رويترز» تقريراً بعنوان: «لماذا تُعد معركة تعز مهمة إلى هذا الحد؟». لم تركز الوكالة الغربية على نقص المياه والنزوح إلا بوصفه هامشاً عابراً، بل ذهبت مباشرة إلى وصف تعز بأنها «آخر معقل حضري رئيسي للقوى المناهضة لأنصار الله في المرتفعات الجنوبية»، ورابطةً مصيرها بمواقع القوات الموالية للعدوان، وبالطريق الاستراتيجي المؤدي إلى عدن، وبالمرتفعات الإشرافية المطلة على البحر الأحمر وممر باب المندب. واعتبرت الوكالة أن تقدم القوات المسلحة اليمنية وسيطرتها على المدينة يشكل تحولاً عسكرياً ورمزياً كاسحاً ضد قوات التحالف.
- في اليوم ذاته (16 أكتوبر 2026)، نشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية تقريراً نقلت فيه عن مسؤولين في حكومة الفنادق تحذيرهم الصريح من أن «مستقبل الأمن الغربي يُختبر في جبال اليمن وتلالها المحيطة بتعز»، مكررين ربط مصير المدينة بأمن الملاحة الغربية في باب المندب. وهنا يبرز التناقض الفاضح: عندما تُقدَّم معركة يمنية داخلية باعتبارها معركة على «مستقبل الأمن الغربي»، فمن الذي يحتل مركز الصورة؟ المواطن اليمني المكلوم الذي يبحث عن الماء والرغيف، أم المصالح الاستراتيجية والهيمنة البحرية الأمريكية والأجنبية؟
- تناولت صحيفة «ذا جيروزاليم بوست» الصهيونية الأزمة تحت عنوان يسلط الضوء على ما أسمته «الكارثة الإنسانية في تعز المحاصرة». ولكن عند فحص مضمون التغطية، يتضح أن اهتمام الإعلام الغربي/ العبري ينصب على إحكام السيطرة العسكرية على منافذ المدينة وقطع خطوط الإمداد نحو الجنوب والساحل، وتحذير القوى الغربية من التبعات الجيوسياسية لسقوط المرتفعات الحاكمة في يد صنعاء، مما يؤكد أن البُعد الإنساني يُستخدم كمدخل لتبرير التدخلات الأجنبية وتأطير الصراع.
- تتجسد الذروة (اللاإنسانية) للإعلام الغربي في التقرير الشامل الذي نشرته صحيفة «الغارديان» في 30 أكتوبر 2026 بقلم محررها الدبلوماسي باتريك وينتور، والذي جاء مصحوباً بإيجاز صحفي ومقابلة حصرية مع محافظ تعز (نبيل شمسان) المحسوب على الرياض...
حمل التقرير عنواناً صادماً ينقل تصريح شمسان: «الحوثيون يدفعون بتعز للعودة إلى العصر الحجري».. وفي هذا التقرير، تتجلى أبعاد التوظيف التحريري الغربي عبر محاور رئيسية:
- استعراض الأرقام الإنسانية لصياغة الخطاب السياسي: نقلت الغارديان عن شمسان، في إيجاز صحفي عُقد على بعد كيلومترات قليلة من خطوط المواجهة، بيانات مفصلة عن الكارثة المائية؛ حيث يطالب بتوفير المياه لمدينة تحتاج 35 ألف متر مكعب يومياً ولا يصلها سوى 1000 متر مكعب، مشيراً إلى توقف 120 مركزاً صحياً وتضرر 1800 مريض بغسيل الكلى. لكن الصحيفة الغربية وضعت هذه المعاناة في إطار الدفع نحو مطالبة الغرب والدول الأجنبية بتوفير «دعم عسكري وميداني مباشر» بدلاً من الاكتفاء بـ«بيانات التضامن».
- تأطير الصراع كحرب عقائدية وتغيير هوية: نقلت الصحيفة عن شمسان تصريحه بأن معركة تعز ليست مجرد نزاع عسكري على الجغرافيا، بل هي «معركة انتقام لتغيير الهوية اليمنية والمناهج المدرسية والمؤسسات الدينية»، وهو تأطير يهدف إلى استثارة المخاوف الغربية وصناعة رواية تجعل من فصائل وقوات المرتزقة حامية للقيم والحداثة في مواجهة نمط عقائدي مغلق..
- التأطير الحقوقي كأداة ضغط دولي: استشهد تقرير الغارديان بتقييمات منظمة «هيومن رايتس ووتش» الأمريكية، التي حذرت من أن الحصار المفروض على المدينة قد يرقى إلى «جريمة حرب واستخدام للتجويع كسلاح». ورغم خطورة هكذا توصيف حقوقي، فإن الصحيفة الغربية تسلّط هذا التكييف القانوني حكراً على جبهة تعز، بينما تتجاهل التكييف نفسه بالنسبة للحصار الشامل والقيود الجوية والبحرية المفروضة على ملايين المدنيين في باقي المحافظات اليمنية.

استدعاء «الإنسانية» لتسويق الميدان
في تقرير سابق نُشر في 21 أكتوبر 2026 بقلم باتريك وينتور أيضاً، ركزت صحيفة «الغارديان» على نقص المياه والوقود والغذاء في تعز، ونقلت تحذيرات منظمة «أوكسفام» من تفاقم الوضع الإنساني، مع إحكام قوات صنعاء تطويق المدينة نهايةً بمنطقة المطار القديم.
لا أحد هنا يقلل من التحذيرات الإنسانية أو يتجاهل نقص المواد الأساسية، لكن القراءة النقدية لتوقيت هذه التغطيات تفضح المنهجية الخبيثة للتقرير ولكن وراءه؛ إذ تُستدعى مأساة المياه والطحين وتُنشر بكثافة في اللحظة التي تتعرض فيها قوات وفصائل المرتزقة للانكسار الميداني. تُصبح الإنسانية هنا حائط صد سياسي وإعلامي يُستثمر لتثبيت نقاط القوة الميدانية لتحالف العدوان ورمي التهم على طرف واحد، مع تغييب كامل للسبب البنيوي الأول للأزمة اليمنية الشاملة: الحصار الجوي والبحري المستمر منذ عقد من الزمن.
ويكتمل هذا المسار بما أورده «مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية» في تحليلاته حول «لحظة اليمن الخطرة في باب المندب»؛ حيث أوضح أن التغطيات الإعلامية الغربية تميل إلى تحويل الوضع الإنساني في تعز إلى أداة مناورة، تهدف إلى انتزاع موقع تفاوضي أقوى قبل أي محادثات هدنة مرتقبة، بجعل الملف الإنساني في تعز مرتبطاً بشرط التأمين البحري لخطوط التجارة الدولية.
الخريطة المبتورة..
 لماذا يُغيب اليمن الشامل لصالح البؤرة الاستراتيجية؟
تعز جزء عزيز من اليمن، لكنها ليست كل اليمن... والأرقام الصادرة عن المؤسسات الدولية والغربية تفضح انتقائية الشاشات والصحافة الأجنبية:
نقلت وكالة «رويترز» والتقارير الإغاثية الدولية تحذيرات المنظمات الإنسانية من تعطل المساعدات الغذائية عن مئات الآلاف من الأشخاص وتزايد الضغط على المستشفيات في مختلف المحافظات اليمنية دون استثناء، نتيجة نقص التمويل والتضييق الشامل.
كما تُظهر البيانات الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) أن حركة النزوح تطال مئات الآلاف عبر المحافظات المختلفة، وأن تعز تستقبل النازحين وتتأثر كغيرها من المحافظات بالأزمة الوطنية الشاملة. لكن الإعلام الغربي يتعمد «بتر الخريطة»؛ فيسلط المجهر المكبر على تعز لأنها تلامس خطوط النفوذ في البحر الأحمر وباب المندب، بينما يتجاهل تماماً معاناة ملايين المدنيين في صنعاء والحديدة وصعدة وغيرها من المحافظات الخاضعة للحصار الشديد والضربات المتكررة.
إن عملية الاقتطاع التحريري التي تمارسها الصحافة الدولية تعزل جغرافيا تعز وتضخم الأخبار المتعلقة بها عند لحظات التصعيد الميداني، فتكون النتيجة إظهار الصراع وكأنه يدور حول «أمن الملاحة الدولية والبحر الأحمر» وتغييب المعاناة الإنسانية الكلية للشعب اليمني.

ختاماً: حين لا تكفي الحقيقة الجزئية
نحن لا نبحث عن مأساة لننفيها، ولا نلغي ألم أبناء تعز لحساب مدينة أخرى؛ فالهدف الناقد هو توسيع الإطار المكسور: تعز ليست خارج اليمن، واليمن ليس خارج الصورة الإنسانية، والمدنيون ليسوا وقوداً لحروب الروايات...
إن أخطر أشكال التضليل الإعلامي الغربي ليس نشر خبر كاذب بالضرورة، بل نشر حقيقة جزئية مع تعمد تغييب بقية أجزاء الصورة، حتى تبدو الصورة المبتورة وكأنها الحقيقة الكاملة. وتحديث هذه الأطروحة في ضوء ما أفرزته التناولات الغربية الأخيرة يثبت بالدليل القاطع أن تعز لم تدخل واجهة الكاميرا الغربية إلا حين لامست تلالها خطوط التجارة البحرية وموازين القوى الدولية...

المصادر والمراجع الأجنبية:
- صحيفة الغارديان: الحوثيون يدفعون بتعز للعودة إلى العصر الحجري، وفق ما صرح به محافظ المدينة اليمنية المحاصرة.
- صحيفة الغارديان: مستقبل الأمن الغربي يُختبر في جبال اليمن المحيطة بتعز.
- صحيفة الغارديان: مدينة يمنية محاصرة على شفا أزمة يصعب احتواؤها، وفق تحذيرات عمال الإغاثة.
- وكالة رويترز: لماذا تُعد معركة تعز مهمة إلى هذا الحد؟.
- صحيفة ذا جيروزاليم بوست: تعز اليمنية المحاصرة تواجه كارثة إنسانية.
- مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية: 
باب المندب ولحظة اليمن الخطرة.
- منظمة هيومن رايتس ووتش: 
تقييم حول حصار تعز والقانون الدولي الإنساني.




سيرك الشاشات الخليجية: ثلاثة أطباق من«“حروب الإدراك» على مائدة التضليل
ثكنات تلفزيونية لصناعة الوعي المعلّب
إذا كانت الحروب العسكرية تُخاض بالبارود والصواريخ، فإن الشاشات العربية النفطية تُخاض برصاص «التضليل الأنيق» والردح التلفزيوني المباشر.. لم تعد المعركة اليوم معركة «خبر ومضمون»، بل مباراة في أدوات الهندسة النفسية وصناعة الوعي المستعار...
لقد شهدت الساحة الإعلامية العربية تحولاً بنيوياً خطيراً أعاد تعريف وظيفة الفضائيات الإخبارية التابعة لأنظمة النفط والغاز؛ إذ لم تعد هذه الشاشات مجرد أدوات لنقل الأخبار، بل تحولت عملياً إلى ثكنات متقدمة وغرف عمليات إدارية لنشر «حروب الإدراك» والصراع النفسي المباشر. لقد حُشدت هذه الشاشات للهندسة المباشرة للإدراك الاستراتيجي للجمهور، بهدف إحداث أثر تطويعي يخدم الأجندات السياسية والعسكرية للإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني، والتغطية على حالة العجز والفشل الميداني التي تعاني منها عواصم التحالف الإقليمي.
إن الحديث عن «الموضوعية والمهنية» والحياد الأخلاقي في الفضائيات الخليجية ليس سوى أسطورة مضحكة تُروّج لإغراء السُذّج؛ فهذه الشاشات مملوكة بالكامل لغرف العمليات السياسية والاستخبارية التابعة للأنظمة الحاكمة. وهنا يبرز نموذج «سيرك الشاشات» كنموذج توزيع أدوار ضمني ومدروس بين الثلاثي الشهير (الجزيرة، العربية/ الحدث، وسكاي نيوز عربية)؛ حيث تتقاسم هذه القنوات الثلاث كعكة تضليل المتابع العربي وتقسيمه بين حياد أنيق يمارس التخدير الدبلوماسي، وردح مباشر يمارس الابتزاز النفسي، وتطبيع صريح يتبنى السردية العبرية بلا خجل...

«الجزيرة كولا -الجزيرة لايت»: نيفيا «الحياد الأنيق»
تبدأ التغطية بنيفيا «الحياد الأنيق» والنعومة القطرية في قناة «الجزيرة»، لتُمَهّد الطريق بسلاسة للردح المباشر لدى الجار السعودي. تمثل «الجزيرة» النموذج الأهم في منظومة القوة الناعمة لدولة قطر، غير أن النبرة الحادة الشبيهة بمذاق «كولا الأصلية» مرت بتحول تدريجي محسوب نحو صيغة «الجزيرة لايت» الوديعة عقب ما عرف بمصالحة قمة العُلا، حذراً من «زعل» الأطراف الإقليمية الحاكمة.
وتحت خمار الأكاديمية المزيفة، تفضح الوثائق عورة الشاشة وتكشف زيف استقلاليتها؛ إذ تنص وثائق التأسيس على مبلغ تأسيسي قدره 500 مليون ريال قطري من الحكومة، وتصل نسبة التمويل الحكومي إلى نحو 90٪ من الميزانية التشغيلية. وإدارياً، يتحكم بالشبكة مجلس إدارة يرأسه حمد بن ثامر آل ثاني منذ عام 1996، وشغل ناصر بن فيصل بن خليفة آل ثاني منصب المدير العام منذ الأول من سبتمبر 2025. واللافت أن تعيينات المناصب العليا ترتبط بالدولة دون النص الصريح على الجهة المصدرة للقرار، في تكتيك مقصود للهروب من حرج الربط بالتدخل الحكومي المباشر.
تتجلى خدعة «الرأي والرأي الآخر» في استراتيجية السير على أطراف الأصابع؛ حيث تثبت دراسات المضمون (دراسة «الجزيرة في الدراسات الأكاديمية -د. وليد عبد الحي) أن الأخبار التي تظهر الولايات المتحدة بصورة إيجابية على شريط الأخبار تفوق الأخبار السلبية بنسبة 35٪ كما تحتل الجزيرة المرتبة الأولى عربياً في حجم نقل مضامين الإعلام «الإسرائيلي» واستضافة المسؤولين الصهاينة.
أما في الملف اليمني، فشهدت التغطية انعطافة حادة وانقلاباً تحريرياً كاملاً بالارتماء في أحضان القوى الموالية للسعودية (كحزب الإصلاح)، والتغطية على خسائر الرياض والرفض التام للإقرار بمسؤولية الطيران السعودي عن الغارات والمجازر والدمار.

 «العربية/ الحدث»: ثلاثية الردح العبرية
إذا كانت «الجزيرة» تتجمل بقفازات الحرير الدبلوماسي، فإن قناة «الحدث» (المتفرعة عن مجموعة MBC السعودية التي يرأس مجلس إدارتها وليد آل إبراهيم والتي اكتمل انتقال استوديوهاتها من دبي إلى الرياض) تعمل بوصفها عربة حربية وذراعاً إعلامية ثقيلة ومباشرة.
تعتمد «الحدث» في تنفيذ عمليات الحرب النفسية على ثلاثيتها المقدسة/ المدنية: (تسريبات، توقعات، ومصادر خاصة) كمنظومة يومية لفبركة الشائعات وصناعة إجماع زائف عبر استضافة لون تحليلي واحد ولعب دور «فم الكيان الصهيوني الناطق بالعربية»...
تتجلى ذروة التأطير النفسي مثلاً في فصول مسرحية «استهداف مكة المكرمة»؛ فبعد الانهيار العسكري للرياض أمام ضربات القوات المسلحة اليمنية وتمدد صنعاء نحو باب المندب، أعلن الناطق السعودي تركي المالكي لأكثر من مرة عن «اعتراض مسيّرة (حوثية) قرب مكة»، لتسارع القناة وإعلام النظام إلى شحن «خبيراتهم» بمصطلحات روحية واستحضار قصة «أبرهة والفيل» لتأليب العالم الإسلامي. وتبرز المفارقة الفاضحة في فوران هذه الحمية الدينية الفجائية على المقدسات من شاشات الإعلام الرسمي، في وقت تتواصل فيه فعاليات الصخب والمجون لـ»هيئة الترفيه» دون أدنى احترام لحرمة المقدسات. لقد هدفت هذه المسرحية المُختلقة إلى نقل الحرب إلى قضية دينية، وتحصيل شرعية لاستدعاء قوات أجنبية، والتغطية على الهزيمة الميدانية وتراجع الدعم الأمريكي.

«سكاي نيوز عربية»: وقاحة التصهين الدراهمي
تقف قناة «سكاي نيوز عربية» (التابعة لمجموعة IMI الإماراتية) في موضع رأس الحربة للترويج الصريح والجسور للمشروع الصهيوني؛ إذ تحولت الشاشة الإماراتية إلى منبر مفتوح لممارسة الإرهاب النفسي المباشر ضد الشعوب العربية باسم الحداثة وتغليف التطبيع المزيّف.
يقوم التكتيك الإعلامي للقناة على «أنسنة الاستعمار الأمريكي والاحتلال الإسرائيلي» وشرعنة عدوانهما؛ مستبدلةً مفاهيم مثل «الإبادة الجماعية» بعبارات مجردة مثل «القتال بين المقاومة وإسرائيل»، ومتحولةً إلى شريط تحذيرات عسكري يعمل بالنيابة عن الناطقين باسم جيوش الاحتلال لترهيب الشعوب وتدجينها ومحاولة دفعها للاستسلام.

ما بعد السيرك: تهاوي الأقنعة وانكشاف السحرة
إن القراءة التركيبية لأداء الفضائيات الخليجية الثلاث تؤكد نتيجة استراتيجية واحدة: هذه القنوات لا تمت بصلة للصحافة الحرّة، بل تشكل غرفة عمليات مشتركة لـ»الحرب الإدراكية» الموجهة ضد الشعوب الحرة ومحور المقاومة.
تتكامل الأدوار بدقة: «الجزيرة» تمارس التخدير الدبلوماسي لامتصاص الوعي، «العربية/ الحدث» تتكفل بالترهيب والتسريبات وشحذ الفتنة الطائفية، و«سكاي نيوز عربية» تتولى التطبيع العاري ونقل التحذيرات «الإسرائيلية» والتهديدات الأمريكية...
غير أن هذا المخطط الإعلامي الباهظ، الذي أُنفقت عليه مليارات الدولارات، يواجه اليوم حالة تهاوٍ وانكشاف تاريخي أمام الوعي النقدي المتصاعد للجيل العربي «زد»... إن المفارقة الصارخة تكمن في العجز الفاضح لهذه الشاشات عن تزييف الحقائق الميدانية والوقائع الصلبة كما في اليمن وإيران؛ حيث تساقطت السرديات المصنوعة تحت أقدام الميدان وتهاوت مبررات وجود هذا السيرك الإعلامي برمته.
لقد سقطت الأقنعة عن وجوه أبواق السيرك الخليجي، وانكسرت أوهام «صناعة الوعي المعلّب»، وانكشف السحرة وخادمو المشروع الصهيوني -الأمريكي؛ لتثبت التطورات أن مليارات النفط والغاز لا يمكنها شراء الوعي الحر، وأن سرديات التضليل والخيانات الإعلامية ستسحقها حقائق الميدان وإرادة الشعوب العصية على الانكسار.