مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
بائع النظارات.. التاجر الحيّ والعين الصادقة
في الأزمنة الجميلة، كانت في بعض الأحياء الشعبية، زاوية صغيرة يقف فيها رجل خلف منضدة خشبية متواضعة، أو عند ركنٍ من أركان السوق، يفتح صندوقه كمن يفتح نافذة على الضوء.
اسمه: بائع النظارات.
لم يكن طبيبًا، ولا خبيرًا معقّدًا، بل تاجرًا بسيطًا يحمل البصر بين أصابعه، ويقيس الأحلام بعدسات شفافة.
كل نظارة كانت رسالة، وكل زبون حكاية قصيرة، وكل زيارة لدكانه فصل من كتاب الحياة اليومية.

المتجر الصغير.. عالم مصغّر
رفوف خشبية تشبه مكتبة صامتة، صناديق عدسات تلمع كقطرات الندى، وإطارات مصطفّة كجنودٍ ينتظرون دورهم في الخدمة.
لم يكن المتجر كبيرًا، لكنه كان واسعًا بالطمأنينة، رحبًا بالثقة، ومفعمًا بإحساسٍ نادر اسمه: الأمان.

البيع.. أكثر من تبادل مالٍ وسلعة
كان يعرف زبائنه كما يعرف ملامح وجهه في المرآة: هذا يعشق الإطارات الرفيعة، وذاك لا يطمئن إلا للعدسات السميكة، وهذا يبحث عن الأناقة، وذاك عن الراحة.
لم يكن يبيع نظارة، بل يمنح رؤية، ويمنح معها نصيحة وطمأنينة وابتسامة.
كانت التجارة عنده علاقة، لا صفقة، وصداقة، لا فاتورة.

الإطار والعدسة.. اختيار حكيم
يمسك الإطار كمن يمسك لوحة فنية، يرفعه أمام الوجه، يبتعد خطوة، يتأمل، ثم يقول بثقة: «هذا يليق بك».
كان يقيس الملامح بعينه، ويزن الذوق بقلبه، ويشرح الفروق بلغة بسيطة يفهمها الجميع.
وكل عملية بيع كانت درسًا صغيرًا في الجمال والدقة.

التعامل مع الزبائن.. فن الإصغاء
لم يكن متجره مكانًا للبيع فقط، بل مجلسًا صغيرًا للحكايات.
يسمع أخبار الحي، أفراحه، أحزانه، وشكاوى عيونه المتعبة.
بين عدسة وعدسة، يمرّر دفء الكلام، ويزرع أثرًا لا يُرى، لكنه يُحسّ.

الصيانة البسيطة.. لمسة وفاء
مفكّ صغير في جيبه، وبرغيّات دقيقة يعرفها بالاسم.
يشدّ المفصل، يعدّل الانحناء، يمسح العدسة بطرف قميصه، ويعيد النظارة أفضل مما كانت.
لم تكن مهنته، لكنها أخلاقه.

حين جاءت المتاجر الحديثة
ثم جاءت المولات، والواجهات الزجاجية، والأضواء الباردة، والبيع السريع.
صار الزبون رقمًا، والنظارة منتجًا، والحديث رفاهية لا وقت لها.
اختفى الرجل الصغير، وبقيت السلعة بلا روح، والعلاقة بلا قلب.

لماذا نستعيده؟
نستعيده لأننا نشتاق إلى زمن كان فيه البيع فعل محبة، لا استهلاكًا أعمى.
نشتاق إلى تاجر يرى الإنسان قبل المال، والوجه قبل السعر، والثقة قبل الربح.
في زمن السرعة، يبقى بائع النظارات درسًا في البطء الجميل.

خاتمة
لم يكن بائع النظارات تاجرا صغيرا وكفى، بل حارسًا للبصر، وسادنًا للذوق، وأمينًا على تفاصيل الناس.
كل عملية بيع عنده كانت رسالة أمانة، ونصيحة صادقة، وابتسامة صغيرة تضيء الطريق.
وحين نذكره اليوم، نستحضر زمنًا كان فيه البائع إنسانًا، قبل أن يكون متربحا.

أترك تعليقاً

التعليقات