لماذا التقى الأمير محمد بن سلمان بأربعة وخمسين أميراً؟
- إسحاق المساوى الأربعاء , 16 سـبـتـمـبـر , 2026 الساعة 12:32:08 AM
- 0 تعليقات

إسحاق المساوى / لا ميديا -
تقترب المملكة العربية السعودية من مرحلة تحول مفصلية في تاريخ نظام الحكم، الذي سينتقل رسمياً بوفاة الملك سلمان بن عبدالعزيز من جيل أبناء الملك المؤسس إلى جيل أحفاده. في هذا السياق، ثمة حراك صامت للأسرة السعودية لترتيب انتقال سلس وآمن للحكم، لا تحضر معه نزاعات واقتتال الحقب الثلاث، أبرزها لقاء ولي العهد محمد بن سلمان بـ54 أميراً في قصر السلام بجدة، فجر الثلاثاء الثامن من سبتمبر 2026.
ما يميز هذا اللقاء هو ندرته، بالعدد وبأسماء الحضور وبالتوقيت بدون مناسبة مقنعة تبرر إعلانه، عدا ما أوردته وكالة «واس» الرسمية: «السلام على ولي العهد» فقط. لكن «واس» كرست كل مساحة الخبر لكتابة كل أسماء «أصحاب السمو الملكي والأمراء» فرداً فرداً، مع توثيق حضورهم صوتاً وصورة، بشكل غير معتاد بالإعلانات الرسمية، الأمر الذي يطرح سؤالاً عن الهدف من هذا اللقاء بهذه الصيغة والكيفية.
يهدف اللقاء إلى إيصال رسالة «توافق» الأسرة السعودية على شخص الأمير محمد بن سلمان، رغم الصراعات المعقدة لفروعها وأجنحتها وأجيالها. وبالتالي، لماذا قد تكون رسالة «التوافق» ضرورة ملحة بهذه المرحلة؟ وهل نجح الأمير بإيصالها؟ إن الإجابة –مع بعض التفصيل– على السؤال الثاني، إجابة على السؤال الأول أيضاً.
نجح الأمير محمد بن سلمان بإيصال رسالة «التوافق» لكن ليس بنسبة 100%. فلم يحضر اللقاء أيٌّ من أبناء الملك عبدالعزيز الباقين على قيد الحياة، لكن اثنين منهم انتدبا أبناءهما للحضور، كحضور الأمير عبدالعزيز بن أحمد بن عبدالعزيز، الذي وضع والده قيد الإقامة الجبرية بحسب تقارير إعلامية، ويعزز ذلك غيابه المتكرر عن المناسبات الرسمية، وآخرها هذا اللقاء.
ولم يحضر أبناء الملك فيصل (كتركي وخالد)، ربما اعتراضاً على الحضور المتصدر لاثنين من أبناء الملك سعود، الذين يجترون –جميعهم– صراعات أبويهم الراحلين على المُلك. غير أن الحضور المتصدر لنجلي الملك سعود -رغم ما يكناه من أحقاد على أفراد الأسرة، لقاء ما تعرضوا له، وتعرض له والدهما من عزل وتشريد وتغييب انتهت بوفاته خارج البلاد- يعد أمراً فارقاً في علاقات الأسرة.
اللافت أيضاً في اللقاء، حضور الأمير الوليد بن طلال بن عبدالعزير، الذي حُبس بتوجيه صاحب «اللقاء» في نوفمبر 2017، مع مصادرة نحو 7 مليارات دولار من ثروته، وهو أبرز من يحمل غضب والده المتمرد، الذي لم ينل نصيباً وافراً من السلطة كبقية أبناء الملك عبدالعزيز.
المشهدية الأخرى اللافتة باللقاء، حضور اثنين من أبناء الملك عبدالله بن عبدالعزيز -ليس متعب بينهما- من أسس وقاد الجناح المنافس للجناح السديري الذي ينتمي إليه الملك سلمان، وأعاق طريق احتكاره للمُلك حتى هذه اللحظة، وما هذا اللقاء إلا لحلحلة هذا العائق.
الواضح حتى هذه اللحظة أن الأمير محمد بن سلمان أراد بهذا الحشد الأميري المتنافس والمتصارع مع نفسه ومع أبيه ومعه شخصياً، أن يقول للداخل والخارج: «أنا الشخصية التوافقية الوحيدة». هذا لا يعني بأي شكل من الأشكال أن هناك ما يعوق تتويجه ملكاً من ناحية «دستورية»، بل يعني أن الأمير يرتب حلولاً «دستورية» لما يعوق احتكار منصب الملك به وبأبنائه فقط. فما هي معوقات الاحتكار؟ ولماذا غاب إخوة الأمير محمد بن سلمان عن اللقاء؟
انتقل منصب «الملك» بتعيين الأمير محمد بن سلمان ولياً لولي العهد في أبريل 2015، ثم ولياً للعهد في يونيو 2017، من جيل أبناء عبدالعزيز إلى جيل الأحفاد؛ لكن مع عائق كبير يعطل احتكار المنصب بفرع واحد من فروع أبناء عبدالعزيز.
هذا العائق الكبير نص عليه التعديل بالفقرة (ب) من المادة الخامسة من النظام الأساسي للحكم: «... ولا يكون من بعد أبناء الملك المؤسس ملكاً وولياً للعهد من فرع واحد من ذرية الملك المؤسس». وبموجب هذا التعديل فإن الأمير محمد عند توليه الملك مستقبلاً، لن يستطيع أن يورثه لأحد أبنائه، أو لأحد إخوته، إذ لا بد أن يكون ولي العهد من فرع آخر.
بعيداً عن الظروف التي اضطرت الملك سلمان في يونيو 2017، لتعديل الفقرة (ب)، فإن السؤال الملح بهذه الأيام التي تشهد حراكاً أسرياً صامتاً: هل يستطيع الأمير تجاوز عقدة الفقرة (ب) هذه؟
قد يستطيع الأمير محمد تجاوز عقدة الفقرة (ب) بطريقتين: إما بالتحايل، بتعيين ولي عهد من فرع آخر أكثر ولاءً له، وبالتالي يضمن حلاً مؤقتاً لعقدة الفقرة؛ وإما بالقوتين الناعمة والصلبة، بحيث يشكل ضغوطاً وإغراءات على أعضاء هيئة البيعة لإلغاء أو تعديل الفقرة (ب) تمكنه من احتكار منصبي «الملك» و»ولي العهد» بفرع واحد. ولكن، هل يهدف الأمير محمد لتثبيت احتكار «الملك» بالفرع السديري فقط؟
إلغاء الفقرة (ب) أو تعديلها مثلما قد يكون حلاً، قد يكون أيضاً مشكلة للأمير محمد، لأن إلغاءها سيدفع إخوته للمطالبة بمنصب ولي العهد، وسيفتح شهية آخرين للمطالبة بإعادة تفعيل منصب «ولي ولي العهد». وبالتالي يمثل إلغاء الفقرة (ب) حلاً ومشكلة في الوقت نفسه من منظور الأمير، خصوصاً أن سن أبنائه لا يؤهلهم حالياً لتقلد منصب ولاية العهد.
الأمير محمد يجد نفسه ممثلاً -بالفطرة- لكل فروع الأسرة، وبالتالي هو يريد تطبيق تجربة جده عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، الذي احتكر المُلك به وبأبنائه، وحيد إخوته وأبناء عمومته عنه؛ وكذلك تجربة «الإمام» الثاني للدولة السعودية الأولى، عبدالعزيز بن محمد بن سعود.
ثمة منافسون للأمير محمد على منصبه الحالي والمستقبلي، غير أنه يجب التفرقة بين أمرين هامين هنا: وجود المنافس، وقدرته على المنافسة. المنافسون موجودون، لكنهم جُرِّدوا من أدوات المنافسة (العسكرية والأمنية والسياسية). يبقى العامل الخارجي (البريطاني-الأمريكي) مؤثراً في اختيار الملك وولي العهد، لكنه –في الغالب– كان يستند إلى العناصر الداخلية (الأمنية والعسكرية والسياسية) ليكون حاسماً، وعندما يستعيد الصفتين معاً (التأثير والحسم) ستدخل الدولة الثالثة في صراعات الدولة الثانية، خصوصاُ مع عودة الأطراف الإقليمية -التي كانت حاسمة تاريخياً- لممارسة دور التأثير في سياسات السعودية اليوم.










المصدر إسحاق المساوى
زيارة جميع مقالات: إسحاق المساوى