الوجه المظلم للحضارة الغربية
- عبدالحكيم عامر الأحد , 8 فـبـرايـر , 2026 الساعة 12:07:11 AM
- 0 تعليقات

عبدالحكيم عامر / لا ميديا -
لم تكن فضيحة جيفري إبستين حدثاً عابراً في سجلّ الجرائم الأخلاقية للنخب الغربية، بل تحوّلت مع مرور الوقت إلى مرآة صادمة تعكس أعماقاً مظلمة في بنية السلطة والسياسة والمال داخل ما يُسمّى بـ»العالم المتحضر». فمع توالي كشف الوثائق، والإفراج عن إفادات وشهادات قضائية، لم يعد السؤال: هل وقعت الجريمة؟ بل أصبح: إلى أي حدٍّ وصل الانحراف داخل النخب الحاكمة؟
على مدى عقود، روّجت الولايات المتحدة والغرب لمنظومة قيم تحت عناوين براقة: «الحرية الفردية»، و»كسر التقاليد»، و»التحرر من القيود»... لم تكن تلك السياسات الثقافية محايدة، بل تحوّلت إلى تشريعات وقوانين ومناهج إعلامية تُعيد تعريف الأخلاق، وتطبع الانحراف بوصفه حقاً، وتجرّم الاعتراض عليه بوصفه «تخلّفاً».
لكن وثائق إبستين، وما تبعها من شهادات لضحايا وقاصرين سابقين، كشفت أن المسألة لم تتوقف عند حدود الانحراف السلوكي أو الشذوذ الجنسي، بل تجاوزته -وفق ما ورد في الإفادات القضائية والملفات- إلى شبكة استغلال ممنهجة، استُخدمت فيها السلطة والمال والنفوذ لتحويل البشر، وخصوصاً القاصرين، إلى أدوات متعة وانتهاك.
لم يكن جيفري إبستين رجلاً معزولاً أو مجرماً هامشياً. لقد كان -بحسب الوثائق- حلقة وصل بين سياسيين، ورجال أعمال، ومشاهير، وأصحاب قرار في دول كبرى. طائرته الخاصة، وجزيرته، وعلاقاته، وحمايته القضائية السابقة، كلها تطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لشخص واحد أن يفلت لسنوات من المساءلة، ما لم يكن محمياً من قمة الهرم؟!
الملفات التي كُشف عنها لا تتحدث عن أسماء عابرة، بل عن شبكة علاقات ممتدة داخل مراكز القرار، وهذا ما يجعل الفضيحة سياسية بقدر ما هي أخلاقية؛ لأن ما جرى لم يكن انحراف أفراد، بل خلل منظومة.
تتضمن الوثائق إفادات صادمة لضحايا تحدثوا عن اعتداءات متكررة، استغلال منظم، ضغوط نفسية، وصمت فُرض بالقوة أو بالترهيب أو بالإغراء المالي... بعض الشهادات، التي لا تزال قيد التداول القضائي والإعلامي، تصف ممارسات وحشية تتجاوز الاعتداء الجنسي إلى أنماط سادية مَرَضية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول طبيعة النخب التي تقود العالم وتدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان.
ورغم أن القضاء لم يُثبت كل ما ورد في تلك الإفادات، إلا أن خطورتها تكمن في حجمها، تكرارها، تشابه روايات الضحايا، فضلاً عن محاولات الطمس والتسويات المشبوهة التي رافقت القضية لسنوات.
المفارقة الصارخة أن الغرب، الذي لا يتردد في إصدار تقارير عن أخلاق الشعوب الأخرى، التزم صمتاً نسبياً، أو تعامل بانتقائية شديدة مع فضيحة إبستين. لم نشهد حملات أخلاقية عالمية، ولا عقوبات سياسية، ولا محاكمات شاملة للنخبة المتورطة... بل جرى احتواء القضية، تجزئتها، وتحويلها إلى «حادثة فردية»، وهنا يبرز السؤال الأخطر:
هل المشكلة في جيفري إبستين، أم في النظام الذي أنجبه وحماه وأسقطه فقط حين أصبح عبئاً؟!
إن ما كشفته وثائق إبستين لا يقدّم مجرد فضيحة جنسية، بل يعرّي تناقضاً بنيوياً في الحضارة الغربية: حضارة تتغنّى بالقيم، بينما تُدار خلف الكواليس بمنطق القوة، الابتزاز، وانتهاك الضعفاء؛ حضارة تُدين الآخرين أخلاقياً؛ لكنها تعجز عن محاسبة نفسها. قد تُطوى بعض الملفات، وقد تختفي أسماء، وقد يُغلق النقاش إعلامياً؛ لكن الأثر الأعمق سيبقى: صورة الغرب كمرجعية أخلاقية تصدّعت، ولن تُرمّم بسهولة، والقناع الذي سقط، والصورة التي لن تعود كما كانت.
فضائح جيفري إبستين هي نافذة على واقعٍ أعمق: واقع حضارة تعيش تناقضاً حاداً بين خطابها وممارستها، بين ما تدّعيه وما تخفيه. وكلما حاولت هذه الحضارة إنكار الحقيقة، ازداد السؤال إلحاحاً: من يملك الحق في محاكمة الآخرين أخلاقياً، وهو عاجز عن محاسبة نفسه؟!










المصدر عبدالحكيم عامر
زيارة جميع مقالات: عبدالحكيم عامر