حصار الآخر وحصار آخر .. ميراث القهر
 

ذو الفقار يوسف

يوسف ذو الفقار / لا ميديا -
داخل سجن الحصار الكبير الجائر والغشوم الذي تفرضه السعودية على الشعب اليمني، هناك زنازين حصار سوداء خانقة يلقي النافذون في غياهبها بأحرار ناهضوا الفساد بوصفه الوجه الآخر للعدوان، وبمستضعفين لا جريرة لهم سوى أنهم بلا ظهر ولا منعة ولا عصبية تستنقذهم من جدران الجور.
سجن الحصار الخارجي الكبير تكسره سواعد رجال الرجال بمنطق قوة الحق. أما زنازين النفوذ المحلي المفروضة بمنطق قوة السلطة والغلبة فلا يكسرها سوى دولة العدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية، تحت سقف عقد تشاركي لا استحواذ فيه ولا غلبة لطبقة على أخرى، ولا لشريحة على شريحة...
إن تراتبية القهر وتفاوت القيمة الاجتماعية السائدة في بنية المجتمع اليمني حتى اللحظة هي امتداد لتراتبية القهر ذاتها التي تحكم علاقات بلدان العالم بعضها ببعض، إقليمياً ودولياً، بناظم الغلبة ومنطق البقاء للأقوى، وهي ذاتها التي بموجبها تفرض أمريكا سطوتها على مصائر وثروات شعوب البلدان المسحوقة، وهي ذاتها التي انطلقت منها السعودية في عدوانها على اليمن المفقر والمستلب بوصفه آدمية دنيا تكافح للخلاص من تراتبية القهر والوصاية واستعادة قيمتها الإنسانية كاملة، ويستميت التحالف السعودي ليعيدها إلى حضيض الهوان كحظيرة خلفية له.
كيف يمكن أن تواجه جور العدو الدخيل، في الوقت الذي تتغاضى فيه عن جور الصديق والقريب؟!
كيف يمكن أن تطالب الآخر بعدالة لا تتمثلها في ذاتك؛ وبمعايير إنسانية لا تحتكم أنت إليها في علاقتك مع شارعك المحلي؟!
كيف يمكن أن تناهض الجور في ما لا تملك بينما تجور في ما تملك؟!
إن موسى وفرعون لا يجتمعان تحت جُبّة واحدة!...
إن الفارق بين الضحية والجلاد يتعين أن يكون فارقاً قيمياً، لا فارقاً في الإمكانات، وبانتفاء البعد القيمي ينتفي الفرق بينهما فتغدو الضحية جلاداً بانتقال الإمكانات إلى يدها، ويغدو الجلاد ضحية، بفقدان الإمكانات في متوالية قوامها الغلبة والقوة لا العدالة والمساواة.
من المؤسف أن يمن ثورة 21 أيلول، الذي أطاح بالفراعنة، لايزال ولّاداً بنظائر يتداولون السياط والقلاع فوق ظهور المستضعفين والمسحوقين بأسماء وذرائع ويافطات جديدة استمراراً للنهج ذاته، واحتكاماً لميزان الغلبة والتمكين ومنطق المنتصر.
إن الشعب الذي لم تُورّثه الثورة قصورَ الفراعنة الخوالي، لا يزالون ميراثاً تقليدياً لسجون وأقبية الفرعنة التي لا تزال قائمة، ويتحتم على الثورة أن تطيح بها، انتصاراً للغالبية المسحوقة من شعبنا الصابر الصامد.
إن خالد العراسي اليوم هو التجسيد الحي لعبدالكريم الخيواني، بمعيار واحدية القضية والضريبة المدفوعة على مذبحها، بفارق أن ضحايا الأمس غادروا الزنازين وانتصبوا سجانين على أبوابها!
إن الثورة أمام تحدٍّ قيمي كبير، ولا مناص من أن تخوضه في معركة لا تتجزأ ضد عدو واحد بتسميات مختلفة محلياً وإقليمياً ودولياً، عدو اسمه تراتبية القهر والغلبة التي تحكم العالم.

أترك تعليقاً

التعليقات