متى يعود الضوء؟
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
وجعي ليس من العدو. وجعي من طقوسية لا روح فيها، ومن خطاب يُقال كل يوم ولا يترك أثراً واحداً على الأرض. وجعي من حق ضاع بين الأوراق، ومن قيم تم استهلاكها حتى صارت شعارات تُرفع في المناسبات ثم تُلقى. وجعي من رهبانية ابتدعوها فجعلوا الدين عبادة شكل بلا مضمون، ومن كذب على الله يُغلف بالدين والوطنية. هكذا تم استهلاكنا في الفراغ، ونحن نتصور أننا نقاوم.
نسأل أنفسنا لماذا كل هذا الضجيج بلا نتيجة. نصرخ بالشعارات في الساحات ثم نكسرها بأيدينا في المكاتب. نتحدث عن العدل ونحن نوزع الوظائف بالولاء لا بالاستحقاق. نتكلم عن الكرامة ثم نقف طوابير من أجل أبسط حقوقنا. حولنا الدين إلى طقس، والوطن إلى شعار، والإنسان إلى رقم في كشف. استهلكنا المعنى وبقيت القشرة. علي اختصر البشر في كلمتين قبل أربعة عشر قرناً: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق. ونحن اخترعنا مائة تصنيف. صنفناهم بالمذهب والمنطقة والقبيلة والولاء، فبدل أن نجمع فرقنا، وبدل أن نبني هُدمنا من الداخل.
من الذي كسر ميزان العدل؟ الإجابة ليست غامضة. إنه نفس الميزان الذي يضع جبلاً فوق كتف الضعيف ويفرغ كفة المتنفذ من أي حساب. الحق اليوم يحتاج إلى واسطة، والظلم صار له مكتب ولافتة. قيل لنا «وأشعر قلبك الرحمة للرعية» فجعلنا قلوبنا حجراً وسمينا ذلك حزماً وضرورة. حين يصبح العدل انتقائياً لا يعود عدلاً، بل يصبح سلاحاً بيد القوي. وحين يُطبق القانون على الصغير ويُعفى منه الكبير لا يعود قانوناً، بل يعود أداة قمع. لهذا يسقط كل شيء بصمت، لأن الأساس الذي يقوم عليه أي وطن قد تصدع.
ونتساءل من الذي يحكم فعلاً. حذرنا علي من الاستئثار بما الناس فيه شركاء، فجعلنا من التحذير منهجاً. البطانة لم تعد حول السلطة، البطانة صارت هي السلطة. هي التي تتاجر بالقمح والدواء والوقود. تغلق باب الرزق ثم تقف على المنصة لتسأل الجائع لماذا لا تصبر. هذا لم يعد فساد أفراد يمكن علاجه بعقاب. هذا نتاج تخطيط دقيق لمنظومة متكاملة تريد بناء الواقع كله على صورتها. فيغدو كل شيء قائم على الكذب على الله وعلى الناس، وعلى تبرير كل شيء باسم المرحلة.
ولماذا ننهار؟ لأننا خالفنا وصية بسيطة وواضحة: اختر الأصلح. ونحن اخترنا الأقرب. اخترنا ابن العم لأنه ابن العم، والموالي لأنه يصفق أولاً، والقريب لأنه يغطي على القريب. ثم وقفنا مندهشين نسأل لماذا سقط التعليم ولماذا انهارت الصحة ولماذا لا يقوم لنا مشروع واحد. الجواب كان مكتوباً من البداية. في عهد علي كان الوالي يُحاسب، واليوم الوالي فوق القانون والحاكم يغمض عينيه. لأن الولاء صار أثمن من الوطن، ولأن الكرسي صار أغلى من الناس.
يبقى السؤال الأهم من نخاف. هل نخاف الله في الضعيف أم نخاف القوي؟ هل بقي فينا من يستحي أن يظلم، أم أننا بعنا حتى هذا الحياء في سوق الضرورات؟ المشكلة ليست أننا لم نسمع. المشكلة أننا سمعنا ثم استهلكنا الكلام. حولنا العهد إلى طقس، والخطاب إلى ضجيج، والقيم إلى استهلاك يومي نتباهى به ولا نعيشه.
السلطة عند علي كانت قيداً يثقله، وعندنا صارت غنيمة تُثري صاحبها. الحكم عنده كان وسيلة لحياة الناس، وعندنا صار وسيلة لاستهلاكهم. لن ننتصر بخطاب جديد ولا بشعار جديد. النصر يبدأ حين نعود إلى سؤال بسيط: هل نحن بشر قبل أن نكون أتباعاً، وهل نحن مواطنون قبل أن نكون أدوات. ما دام الميزان مكسوراً سيبقى الوجع. وما دام هناك من يجرؤ أن يقول لا للطقوس الفارغة، فربما فقط يعود الضوء.

أترك تعليقاً

التعليقات