حاوره:يحيى الضلعي / لا ميديا -
حين يرتدُّ صدى التاريخ في أروقة الملاعب، يقفز اسم نادي المجد كعلامة فارقة في سماء كرة القدم اليمنية، ويبرز معه نجمٌ لم يكن مجرد لاعب عابر، بل كان "أوركسترا" في خط الوسط، وعقلاً مدبِّراً في زمنٍ لم تكن فيه الكرة مجرد قطعة جلدية منفوخة، بل كانت عشقاً، وانتماءً؛ كانت قطعةً من الروح. 
الكابتن مراد علي هبة المزنعي، أحد الطيور اليمنية المهاجرة التي حزمت حقائبها ذات يوم، لكنها لم تستطع يوماً حزم ذكرياتها الجميلة في العصر الذهبي؛ هو الشطر الأنيق من عائلة "آل هبة"، الذين صالوا وجالوا مع نادي المجد في عصره الذهبي والمنتخبات الوطنية وملاعب كرة القدم اليمنية، قبل أن يقرر الرحيل الصامت وهو في أوج العطاء، تاركاً خلفه تساؤلاتٍ لم تجب عليها سوى سنوات الغربة الطويلة في الولايات المتحدة. 
اليوم، ننبش في ذاكرة "المجد" الذي غاب ككيان وبقي كأثر، ونفتح مع الكابتن مراد ملفات الماضي الجميل، ووجع الحاضر الكروي، وأسباب الهجرة، وما وراء كواليس الدمج الذي أذاب تاريخ ناديه العريق.
في هذا الحوار الاستثنائي، يطل علينا الكابتن مراد هبة من مهجره عبر "لا الرياضي"، ليضع النقاط على الحروف، ويتحدث بمرارة المحب وصراحة النجم الصادق... فإلى تفاصيل الحوار.
 مرحباً بك كابتن مراد ضيفاً على "لا الرياضي"!
- أهلاً بكم، وسعيد جداً بهذا التواصل مع جمهوري الغالي عبر صحيفة "لا" الموقرة.
 كيف بدأت قصة مراد هبة مع نادي المجد؟
- بدأت من الحارة والمدرسة، ثم تبلورت في الفئات السنية للنادي، الذي احتضن موهبتي وشكل هويتي الرياضية.
 هل هي الصدفة قادتك للعب في نادي المجد أنت وشقيقك جمال وبقية إخوانك؟ أم أن ثمة عشقاً للنادي؟
- لم تكن صدفة، بل هو انتماء عائلي وعشق لكيان "المجد" الذي كان يمثل لنا ولأبناء المنطقة بيتاً ثانياً.
 ماذا كان يمثل لك التواجد مع إخوانك في فريق واحد؟
- لقد نشأنا أنا وإخواني في كنف أسرة "هبة" الرياضية المعروفة، وكان شغفنا بكرة القدم هو المحرك الأول لنا. نادي المجد لم يكن مجرد نادٍ، بل كان بيتنا الذي احتضن موهبتنا منذ الصغر. أما وجودي بجانب إخواني، فكان قمة الإثارة؛ فمن النادر أن تجد عدة إخوة يلعبون في الفريق نفسه كنجوم بارزين، وهذا منحنا دافعاً كبيراً للتألق وخدمة شعار النادي خلال الثمانينيات والتسعينيات.
 ما هي أبرز المحطات والإنجازات التي تفتخر بها مع نادي المجد؟ 
- نادينا له تاريخ عريق منذ تأسيسه ودمج فريقي "الثورة" و"13 يونيو"، عام 1976م. أنا وأخي جمال وبقية إخواني كنا جزءاً من العصر الذهبي للفريق. وأهم إنجاز نعتز به هو تحقيق كأس الجمهورية عام 1988م. لقد استطاع المجد في تلك الفترة مقارعة الأندية الكبيرة المرصعة بالنجوم، وأثبتنا أننا فريق لا يستهان به في خارطة الكرة اليمنية.
 يُشيد الكثير من الجمهور والمتابعين بأدائكم الفني وسلوككم داخل وخارج الملعب آنذاك. كيف تصف تلك الفترة؟
- بشهادة زملائنا والجماهير، كنا نحرص دائماً على تقديم أداء مميز مقرون بالخلق الرفيع. كرة القدم بالنسبة لنا كانت فناً واحتراماً. الجماهير لا تزال تتذكر مهاراتنا، ونحن نبادلهم هذا الوفاء دائماً، فرغم مرور السنين، تظل ذكريات الملاعب هي الأغلى في مسيرتنا.
 لماذا أصبح تاريخ نادي المجد في خبر كان؟
- غياب الدعم، والقرارات الإدارية غير المدروسة، هما سبب ذوبان كيان كان يوماً مرعباً للخصوم.
 هل كنت مع فكرة دمج المجد تحت مسمى "22 مايو"؟
- الدمج سلاح ذو حدين؛ لكننا فقدنا به خصوصية نادي المجد وهويته التاريخية التي ارتبط بها الجمهور.
 تركت الملاعب وأنت في قمة مستواك... لماذا؟
- اعتزلت للحفاظ على صورتي الجميلة في أذهان الجماهير، ولأن ظروف الحياة وتحدياتها فرضت مسارات أخرى بعيداً عن المستطيل الأخضر.
 هل تم اختيارك للعب في صفوف المنتخبات الوطنية؟ وما أبرز لقاءاتك الدولية؟
- نعم، نلت شرف تمثيل الوطن. وأبرز محطاتي كانت المشاركات الآسيوية التي صقلت خبرتي الدولية.
 مباراة تعدها الأفضل لك مع فريق المجد...؟
- كل مباريات الديربي أمام الأندية الكبيرة كانت لها نكهة خاصة؛ لكن المباريات التي حسمت ألقاباً للمجد تظل الأغلى.
 هل انتهت مسيرتك بمهرجان اعتزال يليق بك؟
- للأسف، غادرت الملاعب بهدوء، فظروف تلك المرحلة لم تكن تسمح بتنظيم مهرجانات اعتزال كما هو مأمول.
 هل ندمت على قرار اعتزالك وتخليك عن معشوقتك كرة القدم؟
- كرة القدم تسري في دمي، الندم لا يفيد؛ لكن الحنين يظل يراودني لكل لحظة قضيتها في الملعب.
 كيف جاءت فكرة هجرتك إلى أمريكا؟
- هاجرت بحثاً عن تأمين مستقبل أفضل ولظروف خاصة استوجبت الاستقرار في الخارج.
 بعد سنوات في المهجر، كيف وجدت نفسك؟
- وجدت نفسي في صراع مع الغربة؛ لكنني اكتسبت خبرات حياتية واسعة، وبقي القلب معلقاً بالوطن.
 ماذا لو استمررت داخل الوطن ولم تغادر؟
- ربما كنت سأساهم في العمل الإداري أو التدريبي؛ لكن الأقدار رسمت لي طريقاً مختلفاً.
 ممارسة الرياضة في المهجر تختلف عنها في الوطن. كيف استطعت الحفاظ على شغف أبنيك، راشد وإيهاب، بكرة القدم رغم تحديات الغربة؟
- بلا شك، التحدي في المهجر مزدوج، فأنت تسعى لربط أبنائك بهويتهم وجذورهم، وفي الوقت نفسه تحاول استغلال الإمكانيات المتاحة هنا لتطوير مواهبهم. بالنسبة لراشد وإيهاب، كرة القدم كانت هي الجسر. أنا أرى فيهما امتداداً لتاريخنا في نادي المجد، وهذا ما يمنحني الدافع للتواجد معهما في كل حصة تدريبية أو مباراة في الغربة. قد تسرقنا مشاغل الحياة، لكنني قررت أن يكون الملعب هو المكان الذي نلتقي فيه كعائلة. أحاول أن أنقل لهما أن الكرة ليست مجرد ركض خلف سراب، بل هي انضباط وروح، وأن اسم "هبة" الذي يحملانه ارتبط دائماً بالإبداع الكروي، وعليهما تمثيل هذا الإرث بأفضل صورة ممكنة في الملاعب التي يلعبان بها هنا.
 ما هي الرسالة التي توجهها لراشد وإيهاب وهما يرتديان قمصان أندية في ملاعب المهجر؟ 
- رسالتي لهما دائماً: استمتعا باللعبة ولكن بجدية المحترفين. ارتداء القمصان في ملاعب متطورة هو فرصة لم نحظَ بها نحن في السابق بالقدر نفسه، لذا أحثهما على اقتناص كل معلومة وتطوير مهاراتهما. الأهم من ذلك أن يتذكرا أن والدهما وأعمامهما لم يصنعوا اسماً من فراغ، بل بالجهد والعرق. ممارسة كرة القدم في المهجر هي وسيلة لتقديم صورة مشرفة عن الموهبة اليمنية، وأنا فخور جداً برؤيتهما يكملان المشوار الذي بدأناه، وبرؤية هذه الروح الرياضية تنمو فيهما يوماً بعد يوم.
 تراجع مستوى الدوري اليمني لكرة القدم حالياً؛ ما الأسباب برأيك؟
- غياب الاستقرار، شحة الإمكانيات، وتوقف النشاط المستمر، ما أدى إلى غياب روح التنافس الحقيقي.
 كثيرون قالوا إن اليمن بيئة طاردة للإبداع. ما رأيك؟
- اليمن يمتلك خامات مذهلة؛ لكن غياب التخطيط والبيئة المحفزة هو ما يجعل المبدع يبحث عن آفاق أخرى.
 من اللاعب الذي تأثرت به؟
- تأثرت بكثير من عمالقة الزمن الجميل، وكنت أطمح دائماً لتقديم أسلوب يجمع بين المهارة والروح القتالية.
 الفرق بين كرة زمان وكرة اليوم...؟
- زمان، كانت كرة حب وانتماء ومهارات فطرية. اليوم، الكرة مادة وتكتيك، وتفتقد للروح والولاء للشعار.
 ميزة انفردت بها في الملعب...؟
- السرعة في اتخاذ القرار، والقدرة على الربط بين الخطوط بدقة.
 لاعبون كنت تفضل اللعب معهم...؟
- شقيقي جمال هبة، ومجموعة المبدعين في نادي المجد الذين كانوا يفهمون تحركاتي دون كلام.
 مدرب تدين له بالكثير...؟ 
- كل من وضع لبنة في مسيرتي، وللمدربين الذين آمنوا بموهبتي في بداياتي لهم فضل كبير.
 نصيحتك للاعبي اليوم...؟
- الانضباط، ثم الانضباط، وتجنب الغرور، واللعب لأجل الشعار وليس للمال فقط.
 ماذا أعطتك الرياضة؟ وماذا أخذت منك؟
- أعطتني حب الناس والسمعة الطيبة، وأخذت مني سنوات الشباب والجهد البدني الشاق.
 ما تقييمك لعمل اتحاد الكرة الحالي؟
- الاتحاد ربما يعمل في ظروف استثنائية صعبة. لكن، هناك قصور في التخطيط للمراحل السنية والمسابقات المنتظمة.
 ما هو سبب اختفاء النجوم بسرعة اليوم عكس جيلكم؟
- غياب التأسيس الصحيح، والانشغال بمغريات الحياة، وعدم الصبر على صقل الموهبة.
 هل ما زلت تمارس الرياضة؟
- نعم، أمارس المشي وبعض التمارين الخفيفة للحفاظ على اللياقة والصحة.
 رسالتك إلى الوطن من المهجر في ختام هذا الحوار...؟ 
- الوطن يحتاج لتكاتف الجميع؛ فرسالتي هي المحبة والسلام، والرياضة هي الجسر الذي يجب أن يوحدنا.