محمد القيرعي

محمد القيرعي / لا ميديا -
تجري حاليا الاستعدادات الحثيثة في المدن المقدسة في كل من العراق وإيران لتشييع جثامين المرشد الأعلى للثورة الإسلامية سماحة الإمام الشهيد علي خامنئي وأفراد عائلته الذين قضوا نحبهم ليل الثامن والعشرين من فبراير الفائت، في واحدة من أسوأ وأحط جرائم الغيلة السياسية وأكثرها خسة ووضاعة على الإطلاق، وهذا ما دفعني ربما إلى استحضار إحدى الظواهر المعيبة والمعششة في بنية الفكر البحثي والسياسي الاستقصائي على المستوى العالمي ككل.
إذ إن هنالك، أحيانا، أحداثا ولحظات فاصلة ومعينة في تاريخ الشعوب تكاد تكون غير مرئية بالشكل الواضح والكافي للدارسين والمؤرخين لتاريخ الحركات التحررية والثورية للشعوب والمجتمعات الطامحة والتواقة للانعتاق.
إذ يكفي أحيانا وفي حالات معينة لحدث مفصلي وحيد أن يغير بصورة كلية وجذرية من معادلة الأحداث وحتى الصراع والتحولات الجارية سواء للأفضل أو للأسوأ لا فرق، بالصورة التي أفرزتها نتائج حادثة الاغتيال البربري الجبان التي استهدفت المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران وأفراد عائلته في أولى تباشير ولحظات العدوان الحربي بسحنته البربرية والفاشية واسع النطاق الذي شنه تحالف الرذيلة «الصهيو -أمريكي -عربي الرجعي» ليل الثامن والعشرين من فبراير الفائت 2026 ضد إيران وشعبها الصامد والمرابط بغية وأد ثورته وتطلعاته القومية وإخضاعه كشعب بهدف إعادته مجددا إلى بيت الطاعة الصهيوأمريكية، كما كان عليه الحال إبان النظام الملكي البائد (نظام الشاه المخلوع محمد رضا بهلوي).
وبالنظر إلى وضاعة تلك الضربة التي طالت خامنئي، وإلى بعدها الكارثي أيضا على حاضر ومستقبل الجمهورية الإسلامية برمته، نظرا لتزامنها آنذاك بطبيعة الحال مع موجة واسعة ومنظمة من الاغتيالات والاستهدافات المركزة والمخطط لها بعناية، والتي أسفرت في مجملها وفي ذات السياق العدواني عن إبادة الصهاينة والأمريكان، وبذات الوسائل الغادرة، لعدد غير مسبوق ولنخبة مهمة ومؤثرة من قادة البلد العسكرية والاستخباراتية والسياسية والأمنية وحتى العلمية والدينية أيضا، بدءا من السيد علي لاريجاني، الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني، مرورا بقائد قوات «الباسيج» في الحرس الثوري الإيراني العميد غلام رضا سليماني، والسيد علي شمخاني مستشار شؤون الأمن لدى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، ووزير الدفاع عزيز ناصر زاده، وقائد «الحرس الثوري» محمد باكبور، والقائد الاستخباراتي الرفيع صالح أسدي، ومسؤول الاتصال الدفاعي العسكري محمد شيرازي، والعشرات غيرهم ممن لا يتسع المجال هنا لذكرهم.
إلا أن النتائج في النهاية (نتائج العدوان والاغتيالات الممنهجة تلك) كانت مغايرة تماما لما أراده وتوقعه المعتدون من «أورشليم» إلى «إمبراطورية اليانكي» إلى محظياتهم في الخليج الفارسي، بالنظر إلى ما ولدته تلك النزعة العدوانية المسعورة، التي وبدلا من أن تؤدي وبحسب توقعات نتنياهو وترامب إلى شل وإرباك وخلخلة النظام الثوري الحاكم في طهران تمهيدا لسحقه وإسقاطه، فقد أسهمت في تعزيز اللحمة الداخلية للشعب الإيراني، وتحفيز همم المقاومة الاستبسالية الوطنية لديه، بصورة مكنته من استخراج كامل الطاقات والإمكانات الثورية التي يختزلها، ومن ثم توجيهها بهمة قومية لا متناهية لإذلال العدو الصهيوأمريكي، ورده على أعقابه مشيعا بالخزي والعار والهزيمة التي لم يكن يتوقع نذرها على الإطلاق، إذا ما قورنت بهول وكارثية الضربات المفاجئة التي شنتها جحافلهم وطيرانهم وبوارجهم الحربية على الشعب الإيراني بكل ما أحدثوه من دمار وخراب مادي ومعنوي وبنيوي كان يمكن فعلا لو أنه طال أحد بلداننا العربية (الفتية جدا) أن يؤدي فعلا، ومنذ سويعاته الأولى، إلى انهيار كلي وساحق للبلد ولنظام حكمه الأبوي، ومن ثم فتح أبواب الاستباحة للبلاد على مصراعيها أمام العدو (كما حدث لعراق صدام حسين البائد).
لكن الأمر الذي تناساه على ما يبدو كل من قطبي العدوان (نتنياهو -ترامب) يكمن في حقيقة كون إيران دولة مؤسسية بامتياز، حتى وإن اتسمت بالسحنة والهوية الدينية لوجهتها التحررية ولنظامها السياسي الحاكم، إلا أن طابعها الثوري -المؤسسي يجعل من الصعب حقا، ومن الاستحالة بمكان على أي دولة مهما بلغ غيها وجبروتها وتفوقها التقني والعسكري تطويع شعب حر وثائر كالشعب الإيراني بالقوة الصرفة والمجردة أو منعه من امتطاء ومواكبة موجة الحداثة والحضارة الإنسانية المتقدة من حوله.
مثلما تناسوا أيضا حقيقة أن الشعب الإيراني بنى أمجاده الثورية، وشحذ هممه وتطلعاته القومية على مبدأ المناوأة المثابرة والمستمرة لهيمنة الطغيان والغطرسة الصهيوأمريكية التي لم يتمكن أصلا من اكتساب هويته التحررية والثورية كشعب طموح إلا بعد مبادرته بخلع عباءة العمالة والتبعية الانبطاحية لـ»اليانكي» و»أورشليم» التي فرضها عليه كشعب وصيفتهم السابقة الراحل محمد رضا بهلوي. 
في الأخير، لا استشهاد خامنئي ولا الاغتيال المفاجئ لقادة الدولة ولا الدمار البنيوي الذي أحدثته بوارج العدوان في محيط سبل الحياة المدنية اليومية للشعب الإيراني كانت قادرة على كبح جماح الإيرانيين ومن خلفهم قوى وحركات المحور المقاوم عن تلقين المعتدين الدروس الكافية عن ماهية المعدن الثوري الحقيقي لشعب يأبى الانبطاح، شعب لم يفتأ يقاومهم على الكفاف وبإصرار لا يلين منذ قرابة أربعة عقود كاملة دفاعا عن إرثه وتاريخه الموغل في القدم وثورته وهويته القومية ومكانته الحضارية المكتسبة والمستحقة بين الأمم الحرة والثائرة.
المجد.. كل المجد لذكرى خامنئي المشيع إلى مثواه الأخير يوم غد الخميس بدموع النصر والفرح والاستبسال القومي والوطني.. والمجد لكل شهداء المحور المقاوم الخالدين والمخلدين في ذاكرة التاريخ التحرري الإنساني، وفي الذاكرة الوطنية والقومية لشعوبهم ومجتمعاتهم الملتاعة من قادة إيران إلى سادة الشهداء الرئيس صالح الصماد وحسن نصر الله وإسماعيل هنية، ومن سار على نهجهم.. والخزي كل الخزي للعدو الصهيوأمريكي ومواليه على امتداد الخليج الفارسي ومنطقتنا العربية المكلومة بكثرة الانبطاحيين.

أترك تعليقاً

التعليقات