«الزمن الجميل».. هـــل كـــان جميــــلاً حقـــاً؟! الحلقة 1٤1
- مروان ناصح الجمعة , 10 يـولـيـو , 2026 الساعة 8:07:28 PM
- 0 تعليقات

مروان نــاصح / لا ميديا -
صائدو السيللوز.. حين كان طرزان أهم من فريد شوقي
كان صباح المدينة يبدأ متثائبًا، إلا عند باب دار السينما.
هناك، كان يدور عالمٌ صغير لا يشبه غيره، عالمٌ من الأطفال يحملون شغفًا أكبر من أعمارهم، يتجمّعون حول صندوق قمامةٍ صديئ كأنه كنز مطمور.
لم نكن نبحث عن المال ولا عن ألعاب.. كنا نبحث عن بقايا الحلم: قطع صغيرة من شرائط السيللوز التي تُقطع من الأفلام قبل عرضها، وتُلقي بها يد مشغِّل السينما في الصندوق.
هكذا بدأ شغفٌ غريب صار فقرة في جدول أيامنا.
قطع صغيرة لا يهتم بها الكبار
كانت اللعبة تبدأ مع الصباح. نمشي بخفة نحو السينما، نشعر بأننا في مهمة سرية. وحين نقترب من الصندوق، كانت قلوبنا تخفق كما لو أننا أمام بوابة كنز حقيقي.
لا أحد من الكبار كان يرى قيمة تلك البقايا.. لكننا نحن رأينا فيها نافذة صغيرة، تُطلّ على عالم الشاشة الكبيرة التي لا نملك ثمن تذاكرها دائمًا.
الأحلام في صور مبتورة
كنّا نقلب في الصندوق بخشوعٍ يشبه التفتيش في كتبٍ مقدسة.
نبحث عن شرائط أو قطع صغيرة شفافة، تتدلّى منها مشاهد مجتزأة من أفلام شاهدها الكبار، بينما لم نكن نحن نرى منها إلا لقطاتٍ مبتورة تنعش خيالنا، أكثر مما يفعل الفيلم الحقيقي. قطعة واحدة تكفي لنسج مغامرة كاملة.
العالم كله في مستطيل صغير مسنن الطرفين
وعندما نجد قطعة صالحة، نرفع السيللوز نحو الشمس، كما يفعل طبيب الأشعة،فيتجلّى العالم كله في مستطيل صغير: طرزان يقفز مع شيتا (ربيبته القردة)، ماشيستي يتحدى جموع "السيكلوب"، هرقل يرفع الصخرة الكبيرة، ليرمي بها الأعداء، ويستعرض عضلاته العجيبة، وفريد شوقي يزمّ شفتيه قبل معركة، أو فاتن حمامة تبكي أمام عماد حمدي.
لم تكن الصورة واضحة دائمًا، لكنها كانت تملك سحرًا لا يمكن وصفه.. سحرَ أن تكتشف العالم من خلال لوحة ضوء صغيرة.
تبادل الصور السينمائية
مثل طوابع البريد
ثم تبدأ عملية التبادل بيننا، كما نتبادل الطوابع. كنا نُقيم "سوقًا صغيرة" على الرصيف، أشبه بسوق العملات.
لطرزان "المشلّح" قيمة أعلى من طرزان بالملابس، وصورةٌ نصف محترقة لماشيستي قد تساوي اثنتين لفريد شوقي.
هكذا صنعت تلك البقايا اقتصادًا صغيرًا له قوانينه ونظامه، و"بنكه المركزي" الذي لا يعترض عليه أحد.
مواهب وخبرات
وكانت بيننا مواهب خاصة: من يعرف كيف يزيل الالتواءات من الشريط، من يستطيع أن يقرأ المشهد رغم احتراق طرفه، من يميز مقطع فيلم عربي من مقطع أجنبي، بالصوت الصامت وحده.
لقد تعلمنا، بلا معلّم، كيف نقرأ الصور، ونتعامل مع الضوء، كأنه لغة.
للسينما عرضان: أحدهما
تحت الشمس
وبينما الكبار يرون تلك القطع قمامة، كنا نرى فيها أسرار العالم.
كل قطعة سيللوز من فيلم كانت درسًا في الخيال، في الضوء، في الحلم. كأن السينما تقدم عرضين: واحدًا على الشاشة للقادرين على شراء بطاقة الدخول.. وآخر في ضوء الشمس للأطفال.
خاتمة
اندثرت دور السينما القديمة، وغاب معها صندوق السيللوز، ورحل أولئك الأطفال الذين كانوا يقرؤون العالم، عبر صور مقتطعة.
واليوم، حين نرى الأفلام بضغطة واحدة، بلا شريطٍ ولا احتراق ولا بقايا، نفهم أن ما كان يسحرنا لم يكن الفيلم وحده.. بل تلك اللحظة الأولى، حين كنّا نرفع قطع الأفلام نحو الشمس، ونتعلم من الضوء كيف نصنع الأحلام.










المصدر مروان ناصح
زيارة جميع مقالات: مروان ناصح