إبراهيم الهمداني

إبراهيم الهمداني / لا ميديا -
استطاعت عملية "طوفان الأقصى"، صناعة المتغير العسكري/ الميداني  والسياسي الأكبر، في تاريخ القضية الفلسطينية، حيث تجاوز تأثيره الإيجابي، كسر حالة الاستلاب والاستسلام الجمعي المسبق، إلى تحقيق ولادة جديدة للقضية في الوعي الجمعي، بوصفها رهانا رابحا مؤكدا، انتصر للذات العربية والإسلامية عموما، والفلسطينية خاصة، والغزاوية على وجه أخص.
وقد مثلت هذه العملية، إحدى صور انتصار الفعل الجهادي المقاوم، في المسار الجهادي العسكري الفلسطيني، وفاتحة الانتصارات العربية والإسلامية الكبرى، التي افتتحها مجاهدو فصائل الجهاد والمقاومة الفلسطينية، وباركها محور الجهاد والإسناد العربي والإسلامي، وشكَّلت ثنائية الفصائل والمحور، أرقى نماذج الانتماء والولاء لله والدين والوطن والمقدسات، في إطار الواجب الإيماني والإدراك العالي للمسؤولية، الذي أعاد للقضية جوهرها الديني/ الإيماني، المتمثل في مسار طبيعة حتمية الصراع من ناحية، وفي مسار جوهر قضية الاستخلاف والمسؤولية الجمعية، من ناحية ثانية.
وبتضافر هذين المسارين العظيمين، حققت عملية "طوفان الأقصى" المباركة، متوالية من الانتصارات الكبرى، عجزت ترسانة العدو "الإسرائيلي" -الأمريكي العالمي عن وأدها أو اجتثاثها أو إفقادها فاعليتها، أو تعطيل ديناميتها التصاعدية، على امتداد جغرافيا الجهاد والإسناد، من غزة إلى لبنان إلى العراق إلى اليمن إلى إيران.
رغم عظمة ذلك المتغير العسكري السياسي، الذي حققته عملية "طوفان الأقصى"، ورغم تفوق ثنائية الفصائل والمحور، وانتصارها الكاسح على ثنائية العدو "الإسرائيلي" وتحالف الشركاء، إلا أن مواقف معظم الأنظمة العربية والإسلامية، شهدت ردة جماعية علنية، وحالة نكوص كبرى، ترجمتها البيانات الرسمية الهزيلة، التي ساندت الجلاد ضد الضحية، ومنحته حق الوجود على أرض لا ينتمي إليها، من خلال التبني الكامل لمشروع "حل الدولتين"، بما ينطوي عليه ذلك الموقف من عار الخيانة والتواطؤ وتصفية القضية علنا.
ولم تقف أنظمة التطبيع والخيانة، عند ذلك الحد من تصهينها الفاضح، بل كممت أفواه شعوبها،  واستكثرت عليها ما اعتادت عليه من المظاهرات، فمنعتها وحظرت عليها التعبير عن موقفها هذه المرة، وكأن خروج مجاهدي غزة على المألوف من الهزائم قد عقد ألسنة الأنظمة، وحمل معه نذر مخاطر تحرك الشعوب في إطار النصر الراهن على كيان العدو "الإسرائيلي" والأنظمة المتصهينة، لذلك تم منعها بذرائع شتي، وحتى تلك التي تحركت في إطار صدمة النصر الراهن، لم يكن تحركها لائقًا بمقام انتمائها، أو ملبيا للحد الأدنى، من ولائها لله والدين والقضية، وبينما شهدت معظم بلدان العالم حراكًا شعبيًا واسعًا، التزمت معظم شعوب دول التطبيع الصمت نزولا عند رغبة أنظمتها الحاكمة، التي نفذت أوامر العدو "الإسرائيلي" والأمريكي بمنع التظاهر، وكأنها لم تسمع أو ترَ شيئًا.
مثَّل الموقف اليمني المتكامل -قيادة وجيشا وشعبا- حالة متقدمة ومتفردة، في عملية إسناد غزة، أرضا وإنسانا وقضية، لا شبيه لها على مستوى العالم، نظرًا لتفرّد منطلقات الموقف اليمني، الذي قام على أساس ديني إيماني، من منظور الواجب الديني، بوصفه المرتكز الرئيس للمشروع القرآني، في مسار الاستخلاف وإقامة القسط عامة، ومحاربة مشاريع الضلال والاستعباد، والعمل على نصرة المستضعفين خاصة، بناءً على توجيهات الله تعالى في القرآن الكريم، كونه يمثل أرقى منهج حياتي إنساني حضاري شامل، بما يحمل من مضامين الهداية الكاملة، في طبيعة ووظيفة المشروع القرآني الحضاري، الذي قدمه لنا، الرسول الأعظم محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ومن بعده أئمة الحق وأعلام الهدى، من آل بيته المنتجبين الأطهار من الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه) والسيد المولى المجاهد بدر الدين الحوثي (سلام الله عليه) والعبد الصالح المجاهد القائد الرباني السيد عبدالملك بن بدر الدين الحوثي (يحفظه الله) الذي توّج الله به فضله، وأتم به نعمته على هذا الشعب، بما حفظ به من الأعراض والحرمات، وبما مكَّنه من أسباب تحقيق النصر، على تحالف عدوان عالمي إجرامي، استمر لمدة تسع سنوات، وما زال حتى اللحظة، وبما منحه من الحكمة وفصل الخطاب، وجمع القلوب على حبه، فالتف حوله شعبه مسلمًا منقادًا، واستعاد الشعب اليمني هويته الإيمانية الجهادية.
وبذلك تصدر يمن المشروع القرآني -بإسناده لغزة- صفوف القوى العالمية الفاعلة، وأصبح رقمًا صعبًا، في معادلة الصراع والتوازنات، السياسية والعسكرية العالمية، ولم تُثنهِ عظمة التضحيات، عن الاستمرار في موقفه حتى النهاية، ولم يحمله هول الخسائر المادية والبشرية، على إعادة النظر في دوره، أو التراجع خطوة إلى الوراء، فمضى في إسناد غزة، من موقف إيماني والتزام أخلاقي إنساني، فكسر قوة أعتى طواغيت الأرض، وهزم أكبر تحالفاتهم وجحافلهم وأساطيلهم، ووجه لها أقوى الضربات، حتى تفككت تحالفاتهم، وتفرقوا من حول العدو الصهيوني، وأعلنوا تخليهم عنه، إيثارا للسلامة وطلبا للنجاة، ولم تتوقف العمليات العسكرية اليمنية، إلا بعد إعلان العدو "الإسرائيلي" إيقاف عدوانه ورفع حصاره عن غزة، وهو الشرط الذي وضعه "يمن المشروع القرآني" منذ أول يوم في مسار الإسناد لغزة، والانتصار للمستضعفين والإسلام والمسلمين.

أترك تعليقاً

التعليقات