فؤاد أبو راس

م. فؤاد أبو راس / لا ميديا -
نشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الصهيونية تحقيقاً صحفياً عن دبي بوصفها وجهةً تنشط فيها -بحسب رواية الصحيفة نفسها- سوقٌ للاستغلال الجنسي، مع حضورٍ لافت لزوّار من الكيان الصهيوني. التحقيق، كما قدمته الصحيفة، حاول رسم صورة لاقتصادٍ خفيّ يتغذّى على المال السريع، ويجد لنفسه منافذ تحت لافتات السياحة والترفيه.
القضية هنا لا تحتاج مبالغة. يكفي أن تقرأ ما تكتبه صحفهم عن أنفسهم لتفهم كيف تُدار بعض «الواجهات اللامعة» في الإقليم: مدنٌ تُسوَّق للعالم كمنصّات رفاهٍ وحداثة، بينما تنمو تحت الإضاءة صناعةٌ أخرى، قوامها تحويل الإنسان إلى سلعة، وتطبيع القبح في قالبٍ أنيق، حتى يبدو الاستغلال وكأنه جزء من «المشهد الطبيعي» للحياة الحديثة.
ومن زاويةٍ قيمية، يطلّ سؤال الأخلاق بوجهٍ صارم: ماذا يعني أن تتحول «الوجهة» إلى مساحة يختلط فيها السياح بالوسطاء، وتتحول فيها العلاقات إلى سوقٍ تُدار بالمال لا بالمسؤولية؟! إن السماح بتوسّع هذه الأنماط -أيّاً كان حجمها- يكشف عن تصدّعٍ في الضبط الأخلاقي العام، وعن قبولٍ تدريجي بمنطق «كل شيء قابل للبيع» ما دام يدرّ أرباحاً ويحافظ على صورةٍ مصقولة أمام الكاميرات. وحين تُدار المدينة بعقلية العرض المستمر، يصبح الإنسان (لاسيما النساء) أقرب إلى «تفصيلٍ استهلاكي» بدل أن يكون قيمةً مصونة، وتتحول الكرامة إلى بندٍ مؤجل أمام حسابات السوق.
الأخطر من الحكاية ذاتها أن هذا النوع من «السياحة» لا يأتي عادةً منفرداً؛ إنه يجرّ خلفه شبكة مصالح: وسطاء، صمتاً رمادياً، وقابلية لتكييف القوانين والرقابة بما يترك المناطق المظلمة تتسع. وعندما تُترك هذه المساحات دون ردعٍ حاسم، فإنها تتحول من «استثناء» إلى «نمط»، ومن هامشٍ متوارٍ إلى سوقٍ تفرض منطقها وتستدعي مزيداً من الزبائن.
وفي البعد السياسي، لا يمكن فصل هذه الصورة عن السياق الأوسع الذي فُتحت فيه أبواب التطبيع على مصاريعها؛ إذ تبدو الإمارات، في نظر كثيرين في المنطقة، وكأنها نقلت العلاقة مع الكيان الصهيوني من مستوى التواصل الرسمي إلى مستوى تطبيعٍ يوميّ يمنح حضور الكيان مساحات مريحة في الاقتصاد والسياحة والإعلام. الإشكال ليس في زيارةٍ هنا أو رحلةٍ هناك، بل في الرسالة التي تصل إلى الشعوب: أن الأولويات تُعاد صياغتها بحيث تتقدم المصالح الضيقة على الاعتبارات الأخلاقية والقضايا العادلة، وأن بوابة المال يمكن أن تصبح بوابة لتعويد المنطقة على وجودٍ يُراد له أن يبدو طبيعياً.
نحن نكتب هذا لأن الشعوب تُستهدف اليوم بمنظومةٍ ناعمة تُعيد تعريف القيم على مقاس السوق، وتُقدِّم الانحدار بوصفه «ترفيهاً»، ثم تطلب منك أن تصفق للواجهة وتنسى ما وراءها. وفي المحصلة، تصبح المعركة معركة وعيٍ أولاً: أن نرى ما وراء الإعلانات، وأن نميّز بين عمرانٍ يبني الإنسان، وعمرانٍ يستهلكه.
وإذا كانت صحف الكيان الصهيوني نفسها تتحدث عن هذه الظواهر بهذا الوضوح، فواجبنا أن نقرأ ذلك قراءةً نقدية ومسؤولة: ما الذي هو «مشاهدة ميدانية»؟ ما الذي هو «روايات أشخاص»؟ وما الذي يحتاج إلى تحقق مستقل؟ لأن الغرض ليس صناعة ضجيج، بل تثبيت حقيقة واحدة: أن الكرامة ليست تفصيلاً ثانوياً في مشروع أي بلد، وأن البريق الذي يُشترى على حساب الإنسان ينطفئ سريعاً مهما علا ضوؤه في الصور.
في النهاية، تبقى حقيقة لا تتغير: السمعة تُبنى ببطء؛ لكنها قد تتآكل بسرعة عندما تُترك التفاصيل الصغيرة - تفاصيل الظل لتتضخم. فالمدن لا تُقاس فقط بارتفاع أبراجها أو ازدحام مطاراتها، بل أيضاً بقدرتها على حماية الإنسان من أن يتحول إلى سلعة، وحماية المجتمع من أن تُختطف بوصلته القيمية تحت شعارٍ واحد: «المهم أن تدور العجلة».

أترك تعليقاً

التعليقات