في زمن تُشرعن فيه البلطجة..لا يبقى للحق إلا أن يواجه
- فؤاد أبو راس الثلاثاء , 6 يـنـاير , 2026 الساعة 12:25:46 AM
- 0 تعليقات

فؤاد أبو راس / لا ميديا -
لم يعد القانون الدولي، في واقعه العملي، مساحة يُحتكم إليها لردع العدوان، بل أداة تُستخدم لإدارته وإكسابه مظهراً أقل فجاجة. هذا الواقع لم يترك فراغاً أخلاقياً فحسب، بل فرض معادلة قاسية: إما القبول بمنطق القوة كما هو، وإما كسره من الأساس. فالمنظومة التي تُشرعن الباطل لا يمكن إصلاحها من داخلها؛ لأن الخلل ليس في التطبيق، بل في الوظيفة.
حين تُعاد كتابة القواعد بعد وقوع الجريمة، وحين تُلبَس الأفعال العنيفة لغة قانونية مصقولة، لا يعود الصمت موقفاً حكيماً، بل يتحوّل إلى شراكة غير معلنة. الانتظار في مثل هذا السياق لا يُنتج حلاً، بل يمنح الوقت لمن يفرض الوقائع كي يرسّخها. والتكيّف مع هذا النظام لا يعني النجاة، بل القبول التدريجي بتآكل الحق حتى يصبح الدفاع عنه مستغرباً.
اللغة التي تُدار بها الهيمنة ليست محايدة، وهي لا تهدف إلى الإقناع بقدر ما تهدف إلى الإخضاع. إعادة تسمية العدوان، وتفريغ المقاومة من معناها، وتقديم الخضوع بوصفه «عقلانية»، كلها خطوات في مسار واحد: تحويل الظلم إلى وضع طبيعي، ومطالبة الضحية بالتعايش معه. في هذه اللحظة تحديداً، يصبح رفض الرواية جزءاً من المعركة، ويغدو التصدي فعلاً واعياً لاستعادة المعنى قبل استعادة الأرض.
الولايات المتحدة، ومن يدور في فلكها، لا تترك هامشاً حقيقياً للحلول الوسطى. فهي لا تكافئ من يتنازل، بل تطلب المزيد، ولا تحترم من يهادن، بل تعتبره قابلاً للضغط. التجارب المتراكمة أثبتت أن الهيمنة لا تتوقف عند حدود الرضا، بل عند حدود الكلفة. وما لم تُواجَه، فإنها تتمدّد، وتحوّل كل تسوية إلى محطة عبور نحو ابتزاز جديد.
في هذا المشهد، تصبح المؤسسات الدولية مجرد أدوات تأجيل، لا منصّات إنصاف، والرهان عليها وحدها ليس خياراً سياسياً، بل وهماً مُكلفاً. فحين تُغلَق كل المسارات القانونية الفاعلة، لا يبقى للحق سوى أن يحمي نفسه بنفسه، وهذا ليس خروجاً على العدالة، بل هو دفاعٌ عنها في غياب من يفترض أنهم حرّاسها.
من هنا، يتبلور موقف لا يقبل الالتباس: مواجهة الباطل ليست ردّة فعل، بل منهج؛ ليست نزوعاً إلى الصدام، بل رفض لفرض الظلم بوصفه قدراً. الوقوف في وجه الهيمنة لا ينبع من رغبة في المواجهة لذاتها، بل من إدراك أن تركها بلا مقاومة هو ما يمنحها شرعيتها الأخطر.
العالم لا يحترم من يشرح ألمه، بل من يفرض حدوداً لما يُسمح بتجاوزه. والحق الذي لا يُدافَع عنه يتحوّل، مع الوقت، إلى حكاية أخلاقية بلا أثر. لذلك، فإن الاتجاه الصحيح في زمن البلطجة المقنّعة بالقانون ليس البحث عن مخارج شكلية، ولا انتظار صحوة ضمير دولي مؤجّلة، بل تثبيت موقف واضح: هذا الباطل لا يُدار، ولا يُحتوى، بل يُواجَه.
بهذا المعنى، لا تكون المواجهة خياراً بين خيارات، بل النتيجة الطبيعية لفهم طبيعة الصراع. وحين يُستنفد وهم الحياد، ويتكشّف زيف القواعد، يصبح التصدي فعل بقاء، لا مجرّد موقف سياسي، والطريق الوحيد الذي يحفظ للحق معناه، وللإنسان كرامته، وللمستقبل إمكانية أن يكون مختلفاً.










المصدر فؤاد أبو راس
زيارة جميع مقالات: فؤاد أبو راس