بلدٌ بعقد إيجار..الأردن ووظيفة العار
 

علي عطروس

علي عطروس / لا ميديا -
في التحليل السياسي لا تُقرأ القواعد العسكرية بوصفها منشآت، بل بوصفها حدودًا جديدة تُرسم بلا إعلان.. وما جرى في قاعدة موفق السلطي الأردنية لا يبدو مجرد تعزيز دفاعي عابر، بل انتقالة في وظيفة الدولة داخل منظومة إقليمية.
وصول نحو 60 طائرة هجومية أمريكية بينها «F-35»، وتدفّق 68 طائرة شحن عسكرية خلال أيام -بحسب ما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» من صورٍ نقلا عن أقمار اصطناعية- رقمٌ يتجاوز التدريب والردع المحدود.
في عقيدة الانتشار الأمريكي، هذا الحجم يسبق دائمًا مرحلة العمليات، لا مرحلة الاحتياط.. أي أن القاعدة لم تعد نقطة دعم، بل عقدة تشغيل.. والمفارقة هنا ذات دلالة رمزية وسياسية: قاعدة تحمل اسم طيار أردني (موفق السلطي) استشهد عام 1966 في مواجهة الكيان الصهيوني، تتحول اليوم -عمليًا- إلى جزء من شبكة حماية سماء ذلك الكيان في أي مواجهة إقليمية مع إيران أو محور المقاومة.
الأردن ليس دولةً اختارت الاصطفاف فجأة، كما أنه ليس دولة دُفعت إليه تدريجيًا عبر معادلة الحاجة كما يدعي البعض.. كان قراراً إنجلوسكسونيا بالعمالة منذ التأسيس كقاعدة استعمارية متقدمة نتجت عن وقوف الشريف حسين مع الإنجليز ضد تركيا ودُجنت كمزرعة لتفريخ حركات الإسلام السياسي؛ وفي المقدمة طبعاً الإخوان المسلمون.
الأردن بالفعل يحصل وفق اتفاق «وادي عربة» الاستسلامي على نحو 50 مليون متر مكعب من المياه سنويًا، ويعاني أحد أعلى مستويات الفقر المائي عالميًا، ولا يمتلك رفاهية الصدام مع المنظومة الدولية المانحة.. ومشروع «الناقل الوطني» رغم ضرورته الوجودية، يربط البنية الحيوية للاقتصاد بسلاسل تمويل عالمية غربية.. غير أن هذه ليست مشاريع خدمات، بل أدوات تثبيت موقع سياسي: حين يصبح الماء والأمن والاقتصاد ملفات خارجية، تصبح السياسة الداخلية وظيفة استقرار لا وظيفة سيادة.
الأردن جرّب الخروج من الفلك الغربي مرة واحدة فقط عمليًا، وكانت حسبة (نفطية) خاطئة للحسين بن طلال.. عام 1990 انحاز للعراق، فكانت العقوبة: طرد نحو 300 ألف أردني من الخليج.. تجميد مساعدات بحوالي 700 مليون دولار.. انهيارا اقتصاديا واحتجاجات واسعة «ثورة الخبز».. إغلاقا فعليا لميناء العقبة نتيجة توقف الأسواق..
والنتيجة السياسية كانت واضحة: إعلان السلام/الاستسلام لاحقًا كخيارٍ إجباري وإن لم يكن أيديولوجيًا ربما وتأمينًا للنظام كذلك بعد تجربة كلفة الاستقلال المزعومة.. منذ تلك اللحظة، تشكّلت العقيدة الأردنية: استقرار (النظام) أولًا.. حتى لو جاء من الخارج.
وجود نحو 30 ألف جندي أمريكي في قواعد المنطقة، وحاملات طائرات ومدمرات ومئات الطائرات، يضع الأردن في قلب خط الدفاع الأول شرق كيان الاحتلال.. هذه ليست حماية للأردن من حرب محتملة، بل استخدام لموقعه لتقليل كلفة الحرب عن «إسرائيل»: إبعاد جبهة الاشتباك مئات الكيلومترات شرقًا، وتحويل المجال الجوي الأردني إلى طبقة اعتراض مبكرة للصواريخ والطائرات المسيّرة.. أي أن الأردن يتحول من دولة حدود إلى طبقة دفاع.
يُنظر إلى القرار هنا كخيانة وولاء، وأيضاً كنتيجة حتمية لبنية دولة صغيرة تعتمد اقتصاديًا على الخارج وأمنيًا على الحماية، لكن المشكلة ليست في الدوافع، بل في الأثر: تحويل دولة عربية إلى عنصر في ميزان ردع موجّه ضد دولة أخرى في الإقليم، ما يجعل أي حرب مقبلة أوسع تلقائيًا.
بمعنى آخر: لم يعد الأردن خارج الصراع، بل داخل هندسته.
المعادلة التي تشكلت عبر العقود واضحة: أزمة داخلية يقود إلى اعتماد خارجي يؤدي إلى التزام أمني والقيام بدور عسكري إقليمي وهكذا لا تُحتل الدول دائمًا بالقوة، بل بالوظيفة.
وحين تصبح الجغرافيا جزءًا من منظومة الردع، تفقد الدولة حيادها حتى لو أعلنتْه.. الأردن بلدٌ لا يقاتل، لكنه عاجزٌ عن البقاء خارج المعركة والتاريخ أيضاً.

أترك تعليقاً

التعليقات