عبدالله عبدالرحمن الكبسي

عبدالله عبدالرحمن الكبسي / لا ميديا -
بين يدي الكلمات الرثائية
ترجع معرفتي بالفقيد العزيز اللواء محسن محمد العلفي إلى منتصف عقد السبعينيات من القرن الماضي، عندما كان المقدم محسن مديراً لأمن محافظة تعز، وكنت آنذاك أسعى إلى الإفراج عن "عربة نقل" تابعة لأحد أقاربي، كانت محتجزة بمعرفة أحد فروع إدارة الأمن الذي كان يديره حينها أحد زملاء المقدم محسن؛ إلّا أنه برغم ذلك، وبرغم كون الاحتجاز غير مبررٍ تماماً ولا قانونياً بالمرة، قد أبدى قدراً غير يسير من التعنّت، وعلى النحو الذي يوحي باستعداده للمصادمة، مستنداً في ذلك -كما أخبر العارفون- إلى من كان قبل محسن مديراً لأمن المحافظة، ثم وفي لحظة مقتطعة من سياقها الزمني، أصبح وزيراً للداخلية. المهم أن ترددي في تلك الفترة ما بين الفرع المشار إليه والإدارة العامة للأمن قد أكسبني معرفة قيمة جداً بالأداء الرفيع والمسؤول لفقيدنا العزيز الأستاذ محسن العلفي، الذي لم يلبث أن عُيّن نائباً عاماً للبلاد، ولتفتح له وأمامه من ثم أبواب الوزارات المختلفة الداخلية، العدل، الشؤون الاجتماعية، وأخيراً مجلس الشورى.
رحم الله فقيدنا العزيز، فقيد النزاهة والعفة والخلق الرفيع، محسن محمد العلفي، رحمة واسعة، وألهم أهله وذويه وكافة محبيه الصبر والسلوان. إنا لله وإنا إليه راجعون.

دواماً كإسمك يا "محسنُ"
أتيتَ من الأمر ما يَحسُنُ

مضيتَ على سَنَنٍ واضحٍ
من الرُّشد تُعْظِمُهُ الأعينُ

وزيَّنَهُ منكَ عبر المدى
لِمَنْ مبصرٍ سمتُك الأحسنُ

فللهِ أنت وما ألهمتْ
مسيرةُ مجدِك يا محسنُ

بمختلف الحال طرَّزتها
يواقيتَ جوَّدَها المتقِنُ

أكنت وزيراً أم نائباً
وقائد أمنٍ ولا يُفْتَنُ

وقد زِنتها سيدي جملةً
إذا البعضُ في البعضِ يزَّيَنُ

على أنّ أعظمَ خُلْقٍ لكم
إذا يُذكر الأفضلُ الأقمنُ

نظافةُ(1) ذاتِ اليدينِ التي
بها يُعرَف الورِعُ المؤمنُ

فطوبى لمحسن حُسْنُ المآلِ
وطوبى له الدارُ والمسكنُ

وحيّا الحيا ثرى قبرِهِ
تغاديهِ بالرحمةِ الأحْيُنُ

وأزكى الصلاة على مَن بهِ
يطيبُ الختامُ ويستحسنُ

(1) كنت ذات مرة أحدث أحد معارفي، كان يشغل آنذاك منصب مدير المخازن بوزارة الشؤون الاجتماعية، عن مزايا الأستاذ محسن وصرامته في المال العام، فقال لي يرحمه الله: "وأنا سأزيدك من الشعر بيتاً، أقمنا ذات مرة حفلاً للمكفوفين، فتخلفت عن متطلباته كمية من كراتين المياه المعلبة، فقلت للأخ الوكيل: كيف نصنع بها؟! فقال لي: خذ لك كذا كرتون واعزل لي كذا، ثم احمل المتبقي إلى بيت الأخ الوزير! فقلت في نفسي: نِعْمَ الرأي! وانطلقت إلى بيت الوزير، الذي رحّب بي قائلاً: ما سرنا يا أحمد؟! فأخبرته بما جئت من أجله، فقال لي: دعها في مكانها على السيارة، واتبعني، ثم مشينا معاً لما يقدر بعشرين خطوة إلى جهة الجنوب من المنزل، حتى إذا شارفنا على الخط الرئيسي المار شمال مستشفى الثورة إلى حي مسيك، توقف قائلاً وهو يشير بإصبعه إلى الخزان الأحمر التابع لمؤسسة المياه: هل ترى ذلك الخزان يا أحمد؟ قلت: نعم سيدي. قال: فأنا أشرب وكل أولادي من ذلك الخزان، ولا حاجة بي إلى ما جلبت من تلك الكراتين، التي ينبغي أن ترجع إلى حيث يجب أن تكون".
أقول، أنا العبد لله كاتب هذه السطور: ولا حاجة بنا بعد هذا القول إلى قول سواه؛ إذ هو من الكلام الذي يحسن السكوت عنده.

أترك تعليقاً

التعليقات