يا نبياه
 

توفيق هزمل

توفيق هزمل / لا ميديا -
المولد النبوي ليس فقط ذكرى ميلاد خاتم المرسلين، بل هو احتفال بذكرى ميلاد أمة الإسلام، تلك الأمة هي نتاج دعوة أبينا إبراهيم والرسول الحليم إسماعيل (عليهما السلام)، فقد أحيا القرآن هذه الذكرى مرتين؛ الأولى عندما افتدى إسماعيل من الذبح بذبح عظيم، فمن نسله سيخرج ابن الذبيحين سيد المرسلين، والثانية عندما قال تعالى: «وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ».
بناء الكعبة ارتبط بالدعاء فكانت الاستجابة بميلاد سيد المرسلين. وملة إبراهيم التي لا يرغب عنها إلا سفيه النفس والعقل والمعتقد.
وها نحن نرى سفهاء القوم ممن توجعهم هذه الذكرى الأليمة على قلوبهم ويغطون الألم بحجة البدعة وكل بدعة ضلالة... إلخ الأسطوانة المشروخة التي ما أنزل الله بها من سلطان، فسلطان الله قد ابتدع إحياء ذكرى المولد؛ فابتدع توثيق إحياء ميلاد مريم إذ قال تعالى: «فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى»، وابتدع ذكرى ميلاد يحيى عليه السلام فقال: «يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا، وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً ۖ وَكَانَ تَقِيًّا، وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا، وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا».
وابتدع أحياء ذكرى ميلاد عيسى عليه السلام فقال: «فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا، فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا، وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا».
إذاً الميلاد ليس محطة هامشية أو تافهة، فالقرآن لا يهتم بالتوافه وصغائر الأمور لكي يحيي الموالد وتفاصيلها إلى يوم الدين.
مشكلة من رغبوا عن ملة إبراهيم هي مع ملة إبراهيم نفسها التي أسست لثلاثة أركان: ميلاد خير أمة أخرجت للناس، هدى يحمله رسول هذه الأمة، من يحملون مشعل الهدى من بعده لينيروا طريق هذه الأمة.
لذا التفوا على القرآن وهمشوه بروايات الرجال والعنعنة حتى جعلوا العنعنة حاكمة ومهيمنة على القرآن، ثم استووا لتهميش حامل الرسالة فاعتبروه ساعي بريد مات ويمكن تقويله ما لم يقله ويكتفى بالصلعمة عند ذكره ورفع ذكر كل من ناوأه أو حاربوه أو خالفوا أمره، ثم استووا إلى حملة الهدى من بعده فقتلوهم وطاردوهم وناصبوهم العداء.
من هنا فإن إحياء المولد النبوي الشريف يعيد إحياء ذكرى ميلاد الأمة الرسالية المكلفة بحمل الهدى، ويعيد الهدى إلى مركزه المهيمن.
النبي محمد هو حامل الهدى ومؤسس الأمة، وإعادة شخصيته إلى الواجهة يضرب مشروع الراغبين عن ملة إبراهيم، الراغبين في ملة الهوى والسلطة والمصالح التي بنيت عبر أجيال وعلى يد السلاطين والحكام والدول المتعاقبة، وسلاحهم في ذلك ما نقلوه على أنه حديث يقول: «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة».
فمن ابتدع كلام العنعنة وجعله خيرا من كلام الله؟ وغيرها المئات من البدع التي تشوه مراد الله وتصور الدين أنه دين النهب والسلب وهتك الأعراض والقبول بكل ظالم... إلخ، هذه هي البدع، تحريف الكلم عن مواضعه وتحريف الوسائل والغايات... إلخ. أما المولد النبوي فهو سنة حسنة لا يقول بأنها سنة سيئة إلا من سفه نفسه وسياقها الصحيح حديث: «مَن سَنَّ سُنَّةً حَسنةً فعمِلَ بِها، كانَ لَهُ أجرُها وَمِثْلُ أجرِ مَن عملَ بِها، لا يَنقُصُ مِن أجورِهِم شيئًا».
فلماذا أسقطوا حديث البدعة على إحياء المولد رغم انه لا يزيد أو ينقص من هدى الله أو يحدث في الدين ما لم ينص عليه القرآن، ووضعوا حديث السنة الحسنة في أدراج النسيان؟
هي نفسها الغاية من ضرب القرآن بالحديث وضرب الحديث بالحديث لضرب مشروع الأمة وطمر ملة إبراهيم. لذا نقولها للعالم: لن نترك محمداً، وسنصرخ: يا نبياه، في كل مولد.

أترك تعليقاً

التعليقات