هاني شاهين

د. هاني شاهـين / لا ميديا -
ماذا جنى محمد بن سلمان من حرب اليمن، بعد كل ما أنفق من أموال، وكل ما أُريق من دماء، وكل ما تراكم من مآسٍ؟!
الجواب، في أبسط صيغة ممكنة: خيبة سياسية، واستنزاف مادي، ومرارة أخلاقية، وحرب لم تمنحه النصر الذي وعد به نفسه وشعبه.
كان يستطيع أن يختار لنفسه صورة مختلفة تماماً؛ كان يستطيع أن يدخل التاريخ العربي من باب العدالة والتنمية والإنسانية، وأن يجعل من ثروات بلاده وسيلة لبناء الإنسان العربي لا وسيلة لإدارة الحروب وشراء الولاءات. لكنه، بحسب منتقديه، اختار الطريق الأصعب والأكثر كلفة: طريق القوة حين تغيب الحكمة، والمال حين يعجز المشروع السياسي عن إقناع الآخرين.
وهنا يبدو قول المؤرخ البريطاني اللورد أكتون كأنه كُتب لتحذير كل حاكم من غواية السلطة: "السلطة تميل إلى الإفساد، والسلطة المطلقة تفسد إفساداً مطلقاً".
والمشكلة ليست في امتلاك القوة، بل في الاعتقاد بأن امتلاكها يمنح صاحبها الحق في استخدامها بلا حدود.
في اليمن، لم تكن المسألة نزهة عسكرية يمكن إنهاؤها ببيان، ولا خصماً يمكن إخضاعه بمجرد التفوق في المال والسلاح. فالسياسة ليست دفتر شيكات، والشعوب ليست شركات مساهمة، والإرادة الوطنية لا تُشترى بالدولارات.
لقد تحولت الحرب، في نظر خصوم ابن سلمان، من محاولة لفرض واقع سياسي جديد في صنعاء إلى ورطة استراتيجية طويلة الأمد؛ فكلما طال أمدها، اتسعت كلفتها، وتعقدت نتائجها، وتحوّل السؤال من: كيف تنتصر السعودية؟ إلى: كيف تخرج السعودية من هذه الحرب بأقل قدر ممكن من الخسائر؟
والأكثر قسوة أن الحرب لم تُنتج الصورة التي أرادها أصحاب القرار لها. فبدل أن تصبح صنعاء مدينةً خاضعةً للإرادة السعودية، تحولت إلى رمزٍ لقدرة الخصم على الصمود والاستمرار، وباتت الحرب نفسها امتحاناً لحدود القوة السعودية.
وهنا تصح عبارة مارتن لوثر كينغ الشهيرة: "الظلم في أي مكان تهديد للعدل في كل مكان".
فحين تُدار السياسة بمنطق الغلبة وحده، يصبح المنتصر العسكري -إن تحقق- خاسراً أخلاقياً وسياسياً، لأن الدم الذي يُراق لا يتحول إلى مجد لمجرد أن وراءه دولةً غنية وجيشاً متفوقاً في التسليح.
أما المال، الذي يُفترض أن يكون وسيلة لبناء النفوذ الناعم والتنمية والعلاقات، فقد يتحول إلى لعنة عندما يصبح البديل الوحيد عن الإقناع.
شراء الولاءات ليس صناعة نفوذ؛ إنه استئجار مؤقت للولاء.
والذين يقفون معك لأنك تدفع لهم، سيبحثون عن غيرك عندما يتوقف الدفع.
لهذا فإن أخطر ما يمكن أن يصيب الحاكم ليس أن يخسر معركة، بل أن يخسر القدرة على رؤية الحقيقة.
أن يعيش محاطاً بالمصفقين، ويظن أن كل تصفيق تأييد، وكل صمت رضا، وكل إعلامٍ مروّض حقيقة، وكل تابعٍ مخلص، بينما الواقع في الخارج يقول شيئاً آخر تماماً.
لقد أثبت التاريخ مراراً أن الطغيان قد يخيف الناس، لكنه لا يستطيع أن يجعلهم يحبون من يخيفهم.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط: ماذا فعل محمد بن سلمان في اليمن؟ بل: ماذا فعل اليمن بمحمد بن سلمان؟
أخذ من مشروعه سنوات، واستنزف أموالاً هائلة، ووضع قوته العسكرية والسياسية أمام اختبار طويل، وأجبره على التعامل مع واقع لم يكن يتوقعه عندما بدأت الحرب.
كان يريد أن يصنع في اليمن واقعاً على مقاسه، فإذا باليمن يفرض عليه واقعاً لم يكن في حساباته.
كان يريد أن يكتب نهاية الحرب بقلمه، فإذا بالحرب نفسها تكتب فصولاً جديدة كل يوم.
وكان يريد أن يظهر بمظهر الحاكم الذي لا يُهزم، فإذا به يواجه السؤال الأصعب الذي يمكن أن يواجهه أي صاحب قرار: كيف تنهي حرباً بدأتَها وأنت عاجز عن تحقيق الأهداف التي أعلنتها؟
وهنا لا تنفع المليارات، ولا البيانات، ولا أبواق المديح.
فالتاريخ لا يسأل الحاكم: كم أنفق؟ بل يسأله: ماذا أنجز؟
ولا يسأله: كم كان قوياً؟ بل: كيف استخدم قوته؟
ولا يسأله: كم شخصاً أخاف؟ بل: كم إنساناً احترمه؟
لقد قال أكتون أيضاً إن "المنصب لا يُقدّس صاحبه"؛ وهي قاعدة ينبغي ألا ينساها أي حاكم، مهما بلغت سلطته أو ثروته.
وفي النهاية، قد يستطيع المال شراء السلاح، وقد يستطيع شراء بعض الأصوات، وقد يستطيع شراء بعض الولاءات المؤقتة، لكنه لا يستطيع شراء التاريخ. والتاريخ، في نهاية المطاف، لا يجامل أحداً.
فإن كان محمد بن سلمان يريد أن يترك اسمه في التاريخ، فليس أمامه إلا أن يثبت أن السلطة عنده وسيلة لخدمة الإنسان لا لإخضاعه، وأن المال وسيلة للبناء لا للهيمنة، وأن القوة وسيلة لحماية الشعوب لا لإغراقها في الحروب.
أما إذا بقي أسير الغرور والقوة والمال، فإن أخطر ما قد يكتشفه الحاكم متأخراً هو أن أكبر انتصاراته الدعائية قد تكون أصغر انتصاراته أمام التاريخ.
وقد يكون السؤال الذي سيبقى طويلاً بعد انطفاء كل الضجيج: كم ملياراً أنفقتَ يا ابن سلمان لتكتشف في النهاية أن الشعوب لا تُحكم بالقوة، وأن اليمن ليس للبيع؟

أترك تعليقاً

التعليقات