مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
قارئ الكف.. حين يتكلم القدر من راحة اليد
إذا كان المنجِّم يطلب من الإنسان أن يرفع رأسه إلى السماء، فإن قارئ الكف يفعل العكس تماماً: يمسك يدك، يُنزِل عينيك إلى جلدك، ويقول لك: مستقبلك هنا.
راحة اليد تتحوّل إلى خريطة، والخطوط إلى طرق متشابكة، والأصابع إلى إشارات...
قارئ الكف لا يبحث عن الغيب في النجوم البعيدة، بل في أقرب ما تملك: يدك التي تعمل، وتخطئ، وتصافح، وتُغلق حين تخاف.

اليد: السيرة الذاتية الصامتة.
اليد ليست مجرد أداة، هي سجلّ غير مكتوب للعمر.
فيها تعب السنين، وفيها ارتجاف القلق، وفيها قسوة العمل، وفيها نعومة الأحلام الأولى.
قارئ الكف يقف أمام هذه السيرة الصامتة، لا يقرأ الجلد، بل يقرأ ما يتخيّل أنه وراءه.
خطّ الحياة، خطّ القلب، خطّ العقل... تسميات كبيرة تمنح البساطة هيبة، وتحوّل الملمس إلى قدر.

الطقس.. بين اللمسة والكلمة
الطقس نصف الحكاية. يمسك اليد برفق، يقلبها ببطء، يصمت قليلاً، ثم يبدأ بالكلام.
الصمت هنا أداة، والتردّد محسوب، والجملة لا تُقال دفعة واحدة، بل تُجزّأ لتصنع توتراً لذيذاً.
قارئ الكف يعرف أن الناس لا يريدون الحقيقة، بل يريدون أن يشعروا بأن أحداً قد رآهم.

الزبائن.. حين تبحث اليد عن عزاء
من يمدّ يده لقارئ الكف، يمدّ معها خوفه، وأمله، وأسئلته المؤجَّلة: امرأة تنتظر حباً، رجل يترقّب رزقاً، شاب يخاف الفشل، وآخر يخاف النجاح.
قارئ الكف لا يصنع الأقدار، لكنه يصنع جملة تطمئن، وأخرى تؤجّل الخوف، وثالثة تترك باباً مفتوحاً: "الأمر بيدك".

بين الجسد والقدر
خطورة قارئ الكف أنه يتكئ على الجسد نفسه، فيبدو كلامه أكثر إقناعاً.
اليد أمامك، الخط واضح، والإشارة ملموسة.
لكن اليد التي يُقال إنها تحمل المصير، هي نفسها التي تغيّر المصير بالعمل، وبالقرار، وبالخطأ والصواب. وما يُنسب للقدر، هو في الغالب أثر اختيارٍ بشريٍّ لم يُرَد الاعتراف به.

النقد.. حين يصبح الجسد ذريعة للوهم
كما في التنجيم، يأتي التحذير واضحاً.
قراءة الكف ليست علماً، ولا معرفة خفية، بل تأويل نفسيّ يستند إلى رغبة الإنسان، في أن يُقال له شيء مطمئن.
وما يُصيب أحياناً، يصيب لأن الحياة نفسها مليئة بالاحتمالات، لا لأن الخطّ قال ذلك.

الخاتمة:
قارئ الكف شخصية لصيقة بالشارع، بالمقاهي، بزوايا الانتظار.
هو لا ينظر إلى السماء، ولا يحتاج فناجين، كل ما يحتاجه: يد ممدودة، وقلب مفتوح، وحكاية ناقصة.
وما بين الخطوط الكثيرة في راحة اليد، تبقى الحقيقة الأوضح: اليد لا تحمل القدر، بل تصنعه.

أترك تعليقاً

التعليقات