نذير محمد

نذير محمد / لا ميديا -
يصادف اليوم الذكرى الثانية عشرة لثورة 21 أيلول/سبتمبر 2014، التي كانت نتاج احتجاجات واسعة ومنظمة في الوقت نفسه، أدت إلى فقدان الحكومة المنتهية ولايتها السيطرة على محافظات أساسية، وعلى رأسها صنعاء العاصمة وعمران.
وقد أثارت تلك الأحداث ضجة داخلية ودولية؛ فعلى المستوى الداخلي، دفعت النخب الحاكمة، التي كانت أصلاً في صراع فيما بينها، إلى الخروج فوراً من صنعاء، كلٌّ باتجاه ما تقتضيه مصلحته. فاتجه الرئيس اليمني المنتهية ولايته، الراحل عبد ربه منصور هادي، إلى عدن ثم الرياض، بينما اتجه علي محسن الأحمر إلى السعودية، وغيرها من الحالات التي اتجه فيها كل طرف إلى الوجهة التي تقتضيها مصالحه السياسية.
أما إقليمياً، فقد أدت تلك التغييرات إلى تحولات في السياسة السعودية تجاه اليمن، وأحدثت ما يسميه المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي «أزمة الهيمنة»، بعدما كانت المملكة تعتبر اليمن فناءها الخلفي، فقررت بتنسيق مع حلفائها على غرار الولايات المتحدة وبعض الدول العربية إنشاء تحالف عسكري لشن عدوان على اليمن تحت مسمى «عاصفة الحزم»، وهي عملية عسكرية واسعة هدفت لإرجاع الحكومة «الشرعية» في نظرهم.
ولا تزال تلك الثورة، موضع جدل في المنطقة؛ فمنهم من يعتبرها «انقلاباً»، ومنهم من يعتبرها ثورة مستقلة، أو استمراراً لـ»ثورة الشباب» في شباط/ فبراير 2011.
وفي هذا المقال، سنتطرق إلى ظروف ثورة 21 أيلول/ سبتمبر وتبيان عوامل نجاحها، ولماذا يمكن اعتبارها ثورة لا «انقلاباً» أو «تمرداً» أو حتى «انتفاضة»، وكيف تختلف هذه المفاهيم كلها بعضها عن بعض، وكذلك عن بقية «الثورات»، أو بالأحرى الانتفاضات العربية. كما سيتم بحث أسباب فشل بعضها، ولماذا يمكن تصنيفها كانتفاضات بدلاً من ثورات؟
يعتمد المقال على المنهج الوصفي التحليلي، من خلال ضبط مفهومي الثورة والانتفاضة وبيان أوجه التشابه والاختلاف بينهما، ثم توظيف المنهج المقارن لتحليل أحداث العام 2011 وفق معيارين أساسيين: طبيعة التعبئة الجماهيرية، وعمق التغيير الذي أحدثته في بنية النظام السياسي. ويستند المقال إلى التمييز الذي يقترحه كيليان كلارك في دراسته «الثورة بوصفها تغييراً للنظام قائماً على التعبئة الجماهيرية»، المنشور في المراجعة السنوية للعلوم السياسية عام 2025؛ بين الثورة بوصفها محاولة جماهيرية لتغيير النظام، والثورة باعتبارها تحولاً بنيوياً مستداماً، للوصول إلى تحديد مدى انطباق مفهوم الثورة أو الانتفاضة على الحالات المدروسة.
قبل الخوض في سياق الانتفاضات العربية وثورة 21 أيلول/ سبتمبر لا بد من تعريف «الثورة» و»الانتفاضة».
يمكن اعتبار الثورة بالمعنى الواسع للكلمة كمحاولة غير اعتيادية لتغيير النظام السياسي من خلال التعبئة الجماهيرية. ويتكون هذا التعريف من ثلاثة عناصر مترابطة. أولها: أن الفعل يجري خارج القنوات السياسية العادية، مثل الانتخابات الدورية أو تداول السلطة داخل المؤسسات القائمة؛ ثانيها: أن الهدف يتصل بتغيير النظام السياسي، لا بمجرد تعديل سياسة جزئية أو تغيير وزير؛ وثالثها: أن التغيير يعتمد على مشاركة جماهيرية واسعة، بحيث تصبح قطاعات كبيرة من المواطنين فاعلاً مباشراً في تحدي السلطة.
لا يشترط هذا التعريف أن تكون الثورة مسلحة، ولا يشترط أن تحقق هدفها النهائي بصورة كاملة. فقد تكون المقاومة سلمية أو مسلحة، وقد تنجح في إسقاط النظام أو تفشل في ذلك. وتكمن فائدة هذا الاتساع في أنه يجمع تحت مفهوم واحد ظواهر كانت الدراسات تفصل بينها، مثل الاحتجاجات الشعبية، وحملات المقاومة المدنية، والانتفاضات، والتمردات. لكنه يجعل كلمة الثورة أوسع من استعمالها التاريخي التقليدي، ويخفف ارتباطها بشرط التحول الاجتماعي الجذري أو النتيجة النهائية الحاسمة.
وبهذا المعنى الواسع يمكن وصف عدد من أحداث 2011 بأنها ثورات، لأن ملايين المواطنين خرجوا في الشوارع وطالبوا بتغيير قواعد الحكم، لا بمجرد إصلاح إداري محدود. كما يمكن وصف الموجة الإقليمية كلها بأنها موجة ثورية من حيث اتساع التعبئة وتشابه الشعارات وانتقال العدوى الاحتجاجية بين البلدان. 
كما أن استخدام التعريف الضيق لكلمة الثورة للدلالة على تحول جذري في النظام السياسي والاجتماعي، غالباً ما يتجاوز تغيير الحاكم إلى إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وعلاقات القوة وملكية الموارد والقواعد التي تنظّم المشاركة السياسية. وقد يضاف إلى ذلك شرط العنف الواسع، أو قيام فاعلين اجتماعيين جدد بإعادة بناء الدولة، أو استمرار عملية التحول فترة طويلة.
ووفق هذا التعريف، لا يكفي أن يسقط الرئيس إذا بقيت البنية السياسية والاجتماعية للنظام نفسه دون تغيير جوهري في قواعد الحكم. فالثورة بالمعنى الضيق لا تعني مجرد انتقال السلطة، بل تعني إعادة تأسيس النظام السياسي والاجتماعي على أسس مختلفة.
يتميز هذا التعريف بقدرته على التمييز بين الثورة والانقلاب والانتقال المحدود. فالانقلاب يغيّر شاغلي السلطة غالباً بقرار من الجيش أو نخبة ضيقة، في حين تتطلب الثورة الضيقة مشاركة اجتماعية واسعة وتحولاً مؤسسياً عميقاً. غير أن صرامته قد تستبعد حركات جماهيرية مهمة لم تحقق كل أهدافها، أو قد تجعل الحكم على الحدث ممكناً فقط بعد مرور سنوات طويلة واتضاح نتائجه.
ومن ثمّ، توجد مفاضلة تحليلية بين التعريفين. فالتعريف الواسع يلتقط لحظة التعبئة ومسار الصراع، بينما يركّز التعريف الضيق على عمق النتيجة واستدامتها. ولا يلغي أحدهما الآخر؛ بل ينبغي تحديد أي معنى يستخدم الباحث قبل إصدار الحكم. 
اما الانتفاضة، فهي نهوض جماهيري أو موجة احتجاجية تتحدى سلطة قائمة أو وضعاً سياسياً واجتماعياً مرفوضاً. وقد تكون محلية أو وطنية، قصيرة أو ممتدة، سلمية أو متخللة بأعمال عنف. ولا يتطلب وصفها انتفاضة أن تحقق تغييراً في النظام؛ فجوهر المفهوم هو انتقال الاعتراض من مستوى الشكوى الفردية إلى فعل جماعي ظاهر يضغط على السلطة ويكشف ضعف شرعيتها.
يتيح هذا التعريف فهم الانتفاضة بوصفها لحظة تعبئة وفتح للصراع السياسي. فقد تُسقط حكومة، أو تجبر النظام على تقديم تنازلات، أو تفشل بسبب القمع. وقد تتحول إلى حرب أهلية أو تمرد مسلح. ولذلك لا تحمل كلمة الانتفاضة حكماً مسبقاً بالنجاح أو الفشل، ولا تفترض أن نتائجها ستكون ديمقراطية أو ثورية.
وتشير الأدبيات إلى أن المصطلحات المتداخلة، مثل الانتفاضة والتمرد والمقاومة المدنية والاحتجاج الشعبي، لا تملك دائماً حدوداً ثابتة. 
فإشكالية التعريف الواسع للثورة تكمن في أنه يساوي تقريباً بين الثورة وكل تعبئة جماهيرية تهدف إلى تغيير النظام، حتى لو لم تنجح في تحقيق تغيير بنيوي؛ وبذلك تصبح الحدود بينها وبين الانتفاضة والاحتجاج والمقاومة المدنية غير واضحة أو حتى «الثورات الملونة».
في هذا السياق، تبدو أحداث العام 2011 في عدد من البلدان العربية أقرب إلى الانتفاضات منها إلى الثورات بالمعنى الضيق للمفهوم، إذ قامت أساساً على تعبئة جماهيرية واسعة، لكنها لم تؤدِّ، في معظم الحالات، إلى إعادة بناء عميقة ومستدامة لبنية النظام السياسي.
ففي تونس، أسقطت الانتفاضة الرئيس زين العابدين بن علي، وحُلّ الحزب الحاكم: «التجمع الدستوري الديمقراطي»، وفُتحت البلاد أمام مسار انتقال ديمقراطي مهم، وإن لم يكن هذا المسار سهلاً، لاسيما خلال سنواته الأولى. فقد شهدت تلك المرحلة صعود حركة النهضة، وما رافقه من احتقان سياسي واجتماعي، إلى جانب حلفائها في تلك الفترة، فضلاً عن تفاقم الأزمات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ووقوع اغتيالات سياسية، وفُتح المجال أمام صعود التيارات السلفية. غير أن العام 2014 شهد تحولاً نسبياً في اتجاه تخفيف حدة التوتر، تمثل في تغيير حركة النهضة لخطابها السياسي، وانفتاحها على التسويات مع عدد من الأفراد والمؤسسات المحسوبة على النظام السابق وانتخابات رئاسية أدت إلى صعود الباجي قائد السبسي، الشخصية المدنية ذات الشعبية المحسوبة على الحقبة البورقيبية، إلى جانب إقرار دستور جديد تضمن جملة من الحريات والحقوق السياسية. ومع ذلك، ورغم اتساع هامش الحريات السياسية، استمرت الأزمة في مختلف القطاعات، وظلت الدولة عاجزة عن تحقيق جزء كبير من الأهداف التي رفعتها انتفاضة 17 كانون الأول/ ديسمبر–14 كانون الثاني/ يناير. وقد تعمقت هذه الأزمة خلال العامين 2019 و2020، مع صعود راشد الغنوشي إلى رئاسة البرلمان وتصاعد الأزمة السياسية داخل المؤسسة التشريعية، ثم جاءت جائحة كورونا لتزيد حدة الاختلالات القائمة. وانتهى هذا المسار إلى اتخاذ رئيس الدولة، بالتعاون مع مؤسسات الدولة البيروقراطية والعسكرية، إجراءات أدت إلى تعليق العمل بدستور 2014 والدخول في مرحلة سياسية جديدة.
وفي مصر، أُجبر حسني مبارك على التنحي، غير أن المؤسسة العسكرية وأجهزة الدولة حافظت على قدر مهم من نفوذها داخل بنية النظام. ومع صعود جماعة الإخوان المسلمين وانتخاب محمد مرسي رئيساً للجمهورية، تعمقت الأزمة السياسية وازداد الاحتقان الشعبي تجاه «الإخوان»، وانتهى المسار إلى عودة المؤسسة العسكرية إلى ممارسة الحكم بصورة مباشرة عقب أحداث 3 تموز/ يوليو 2013.
أما في اليمن، فقد أدت الاحتجاجات إلى انتقال تفاوضي أخرج علي عبد الله صالح من رئاسة الجمهورية، دون أن يؤدي ذلك إلى تفكيك بنية النظام بصورة جذرية. وقد لعب التدخل السعودي دوراً مهماً في إدارة عملية الانتقال، لاسيما من خلال «المبادرة الخليجية» و»مؤتمر الحوار الوطني»، في محاولة للإمساك بمفاتيح عملية التغيير السياسي وضبط مسارها. غير أن هذا المسار واجه في نهاية المطاف اعتراضات واسعة من قطاعات يمنية مختلفة. كما أن تمسك عبد ربه منصور هادي بالسلطة، رغم استكمال المرحلة الانتقالية وعدم تحقق عدد من مخرجات الحوار الوطني، أسهم في تعميق الأزمة السياسية بدلاً من حسمها.
وفي ليبيا، تحولت الاحتجاجات سريعاً إلى تمرد مسلح، ورغم أن نظام الجماهيرية تمكن في المرحلة الأولى من حسم المواجهة لصالحه في عدد من المناطق، فإن التدخل الأطلسي خلال العام 2011 غيّر موازين القوى بصورة حاسمة، وانتهى بسقوط نظام الجماهيرية وانهيار مؤسسات الدولة واغتيال الزعيم القذافي، ودخول البلاد في حالة من الصراع الداخلي والانقسام السياسي والعسكري.
وفي سورية، والصورة أشد تعقيداً، بدأت الحركة في صورة انتفاضة سلمية رفعت مطالب تتعلق بالإصلاح السياسي وإسقاط النظام، قبل أن تتحول تدريجياً إلى مواجهة مسلحة. ومع استمرار الصراع، دخلت أطراف داخلية وخارجية متعددة على خط الأزمة، وظهرت بين قوى المعارضة المسلحة توجهات وخطابات ذات طابع طائفي، كما ارتبطت بعض التشكيلات المعارضة بدعم إقليمي، لاسيما تركيا وبعض دول الخليج، ثم لاحقاً الولايات المتحدة. وأسهم تداخل هذه العوامل في تحويل الانتفاضة إلى حرب واسعة النطاق ذات أبعاد داخلية وإقليمية ودولية.
أما في البحرين، فقد شهدت البلاد احتجاجات جماهيرية طالبت بإصلاحات سياسية، إلا أنها قُمعت بمساعدة قوات خليجية، لاسيما في إطار تدخل ما تسمى «قوات درع الجزيرة». ولم تؤدِّ هذه الاحتجاجات، نتيجة القمع والتدخل الإقليمي، إلى تحول مؤسسي عميق في بنية النظام السياسي.
وعليه، يمكن وصف أحداث العام 2011 بأنها انتفاضات جماهيرية واسعة ذات طموح ثوري؛ فهي تقترب من مفهوم الثورة وفق التعريف الواسع الذي يركز على التعبئة الجماهيرية والسعي إلى تغيير النظام السياسي، لكنها لا تستوفي، في معظم الحالات، شروط الثورة بالمعنى الضيق، الذي يفترض حدوث تغيير جذري ومستدام في بنية الدولة والمجتمع والعلاقات السياسية والاجتماعية القائمة.
أما ثورة 21 أيلول، التي جرى تفسير سياقها في مقدمة الدراسة، فتختلف عن معظم انتفاضات العام 2011؛ إذ يمكن النظر إليها بوصفها ثورة بالمعنيين الواسع والضيق للمفهوم. فقد أسهمت في تعميق الانقسام داخل صفوف الطبقة الحاكمة، وانتقلت من نطاق الاحتجاج إلى السيطرة المباشرة على مؤسسات الدولة ومراكز القرار في صنعاء ومناطق يمنية أخرى، فضلاً عن لجوء نخب سياسية، كان من أبرزها الرئيس المنتهية ولايته، إلى طلب تدخل عسكري إقليمي واسع بقيادة السعودية، بهدف استعادة السلطة.
ومن هنا يطرح التحليل سؤالاً مركزياً: ما أبرز الاختلافات بين ثورة 21 أيلول 2014 والانتفاضات العربية عام 2011؟
وللإجابة على هذا السؤال، ينبغي التعامل مع المقارنة بحذر، لأسباب موضوعية تتعلق باختلاف السياقات التاريخية والاجتماعية والسياسية التي أنتجت هذه الأحداث. فالمجتمعات العربية ليست كتلة متجانسة، كما أن أشكال الاحتجاج والتعبئة ومسارات التحول السياسي تختلف باختلاف بنية الدولة، وتركيب الطبقات والقوى الاجتماعية، وطبيعة النظام السياسي، ودرجة التدخلات الإقليمية والدولية. ولذلك، لا تهدف هذه المقارنة إلى افتراض وجود نموذج عربي موحد للانتفاضة أو الثورة، وإنما إلى تحديد أوجه الاختلاف بين حالتين نشأتا في سياقين تاريخيين مختلفين، مع مراعاة خصوصية كل مجتمع ومساره السياسي.
السبب الأول: نجحت ثورة 21 أيلول في تحديد التناقض الرئيسي، على عكس بقية الانتفاضات العربية، والمتمثل في سياقنا الحالي بالإمبريالية الأمريكية والصهيونية. وهو ما غفلت عنه الانتفاضات العربية، باستثناء «ثورة فبراير» المصرية، التي أقدمت على حرق السفارة «الإسرائيلية»؛ وإلى حد ما، حالتي ليبيا وسورية، فإن بقية الأنظمة العربية لم تستمد قوتها من فراغ، بل كانت مصالحها مرتبطة بالولايات المتحدة، أو بدول كفرنسا وبريطانيا، وكانت حليفة لها.
ومع ذلك، ظهرت نخب معارضة جديدة انحصرت إشكاليتها، في جانب كبير منها، في المطالبة بتغيير النظام وإقامة نظام يفصل بين السلطات ويضمن الحريات، دون اهتمام كافٍ ببناء سيادة حقيقية. بل إن بعض تلك القوى المعارضة، سواء كانت علمانية أو إسلامية، لم تكن مصالحها بعيدة عن مصالح الأنظمة التي تدّعي محاربتها. أما ثورة 21 أيلول فأبدت اهتماماً بهذه المسألة.
أما السبب الثاني، وهو الأهم، فيتمثل في وجود قيادة ثورية واضحة وتنظيم سياسي قاد تلك الثورة. وهذا لا يمثل انتقاصاً من الوعي الجماهيري أو من أهميته، إلا أن الوعي الجماهيري وحده لا يكفي لتغيير الوضع القائم، بل لا بد من وجود حزب طليعي أو حركة شعبية تمسك بزمام الأمور وتقود الجماهير التي انبثقت منها، من أجل تنفيذ أهداف الثورة وبناء نظام سياسي واجتماعي واقتصادي، أو على الأقل الشروع في عملية البناء.
وفي هذه الحالة، تمثلت القيادة الثورية الواضحة في حركة أنصار الله. ولا يعني ذلك أنها كانت الطرف الوحيد في الثورة، فقد شارك العديد من الأطراف السياسية والعسكرية والقبلية، إلا أن أنصار الله ظلت تمثل القيادة الثورية العليا والأكثر وضوحاً. ومن هنا، فإن الثورة الناجحة، في هذا المنظور، تحتاج إلى تنظيم سياسي يمثل الجماهير ويقود حركتها.
وفي إطار الحديث عن القيادة، تبرز أيضاً أهمية الرموز؛ فالرمز، بحسب المفكر بنديكت أندرسون، يمثل جزءاً لا يتجزأ من «الجماعة المتخيلة» التي تتشكل من خلالها الأمم والأوطان. وفي هذا السياق، عندما نتحدث عن الثورات الكبرى، غالباً ما تتبادر إلى الذهن شخصيات سياسية محددة؛ فعندما نقول الثورة الفرنسية يتبادر روبسبير، وعندما نقول الثورة البلشفية يتبادر لينين، وعندما نقول الثورة الصينية يتبادر ماو، وعندما نقول الثورة الإسلامية الإيرانية يتبادر الإمام الخميني... وفي السياق نفسه، عندما نذكر ثورة 21 أيلول، يتبادر إلى الذهن السيد عبد الملك الحوثي.
وهذا لا يعني أن الرموز أو الأفراد هم من يغيرون التاريخ بصورة منفردة، وإنما أن بروز رمز، إلى جانب وجود كوادر وقيادات أخرى، فضلاً عن التمسك الشعبي، يمثل دليلاً على نجاح الثورة. والثورة اليمنية عام 2014 تواصل ترسيخ وجودها رغم التناقضات الداخلية، والحرب، والحصار المفروض على اليمن.

أترك تعليقاً

التعليقات