مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
الدبّاغ.. سيّد الجلد ورفيق التعب الجميل
في المدن العتيقة، عند أطراف القرى، حيث للشمس ألفة، وللماء ذاكرة، كان الدبّاغ يقف قرب أحواضه كأنه حارسُ سرٍّ قديم.
مهنة لا تعرف الزينة، ولا تطلب العطف، تعيش على الهامش، وتصنع ما نلمسه كل يوم.

أستاذ في مدرسة الجلود
في عالمٍ تنفر منه الأنوف وتألفه القلوب الصبورة، كان الدبّاغ يعلّم الجلد، كيف ينسى قسوته الأولى.
جلد خرج لتوّه من حياة سابقة، فيعيده إلى الدنيا بهيئة أخرى، ألين، أصلح للمرافقة، وأطول عمراً من الذاكرة نفسها.

رجل لا يساوم القسوة
لم يكن الدبّاغ يخاصم الطبيعة، ولا يستسلم لها.
كان يضع يديه في الماء ويترك الزمن يعمل معه، لا ضده.
كأن بينه وبين الجلد اتفاقاً صامتاً: الألم مقابل الليونة، والصبر مقابل النعومة.

ورشة لها صوتها الخاص
الورشة لم تكن مكاناً للعمل فقط. أحواض ماء، أدوات صامتة، ألوان تميل إلى التراب، وأصوات احتكاك تشبه تنفّس الأشياء وهي تتبدل.
هناك، بلا خطب ولا شعارات، كان الخشن يتعلّم كيف يصير صالحاً للمسّ.

الصبر.. مادة خفية
في الدباغة لا شيء يُستعجل. النقع، التنظيف، التمليس، الشمس، الانتظار.
كل مرحلة تعرف وقتها. كأن الجلد لا يلين إلا حين يطمئن أن اليد التي تمسكه لا تريد أذيته.

حين يصير الجلد حياة
ما يخرج من الورشة لا يبقى فيها. يصير نعلاً يعرف طرق الرزق، وحذاءً يسافر، وحزاماً يشد أيام الناس، وحقيبة تحفظ أسرار البيوت.
جلد يعيش مع أصحابه، يشيخ معهم، ويحتفظ بملامس أيامهم.

رجل بلا ضجيج
الدبّاغ لا ينتظر الشكر. يعمل في الظل، ويترك أثره في الضوء.
وجهه مطبوع بالشمس، وابتسامته قليلة، لكنها صادقة كعمله. يعرف، في سرّه، أن ما يصنعه لا يقاس بالكلام.

حين مرّت الحداثة من هنا
مع المصانع، خفتت الأصوات القديمة، وصار الجلد أسرع... وأبرد. تراجعت الحرفة، لكن صورتها بقيت: إنسان كان عنصراً من عمله، لا رقماً أمام آلة.

أثر لا يزول
يبقى الدبّاغ واحداً من رجال الزمن الجميل. قد لا نحب رائحته، لكننا نعرف قيمته.
نبتعد خطوة، ثم نعود إليه بالذاكرة، لأنه يذكّرنا بزمن كان فيه التعب شريفاً، والعمل حكاية تُروى.

خاتمة:
الدبّاغ ليس صاحب حرفة فقط، بل درس قديم: ما كان قاسياً يمكن أن يصير أجمل، إذا مرّ بيدٍ صبور، وقلبٍ محب.

أترك تعليقاً

التعليقات