مكة فوق الروايات:تحويل القداسة إلى سلاح إعلامي
- فؤاد أبو راس الأثنين , 21 سـبـتـمـبـر , 2026 الساعة 12:03:18 AM
- 0 تعليقات

فؤاد أبو راس / لا ميديا -
لا تحتاج علاقة اليمنيين بمكة المكرمة إلى دفاع، ولا يحتاج اليمني إلى شهادة من أحد في مكانة الكعبة في عقيدته ووجدانه. مكة قبلته كما هي قبلة كل مسلم، وحرمتها الدينية أكبر من أن تختزل في خلاف سياسي أو مواجهة عسكرية بين دولتين. ولهذا فإن القضية الأهم اليوم لا تتمثل في إثبات محبة اليمنيين لمكة، وإنما في فهم الكيفية التي تحولت بها عبارة شديدة الخطورة مثل «اليمن يستهدف مكة» إلى رواية قابلة للتداول والتصديق قبل أن تُفحص الوقائع التي تقوم عليها.
روايات بهذا الحجم لا تولد لحظة حادثة معينة. قبلها توجد سنوات من تشكيل الصورة الذهنية للخصم، وتكرار أوصاف محددة عنه، ووضعه داخل قالب سياسي وديني يجعل المتلقي مهيأً نفسيًا لتصديق أسوأ الاحتمالات. وحين تتراكم صورة «أن أنصار الله جماعة متطرفة مرتبطة بالخارج ومستعدة لتجاوز المحرمات»، يصبح إطلاق عبارة «استهداف مكة» قادرًا على إشعال المشاعر قبل أن يبدأ السؤال عن حقيقة ما حدث.
هنا تكمن خطورة الشيطنة المسبقة. فهي تختصر الطريق أمام الرواية اللاحقة؛ إذ لا يعود مطلوبًا من المتلقي أن يبحث عن الأدلة أو يراجع طبيعة الهدف أو يسأل عن مصدر المعلومات، لأن الحكم سبق الواقعة إلى ذهنه. ولهذا فإن المعركة حول مكة لا تبدأ من السماء، وإنما تبدأ داخل الوعي العام الذي صيغ على مدى سنوات.
وعندما نعود إلى السجل المنشور نجد أن رواية «استهداف مكة» لم تكن يومًا حقيقة مستقلة محسومة بالوضوح الذي تُقدم به اليوم. ففي أكتوبر 2016 اتهمت السعودية القوات اليمنية بإطلاق صاروخ باتجاه مكة وقالت إن الدفاعات اعترضته على مسافة نحو 65 كيلومترًا من المدينة، بينما قالت القوات اليمنية إن الهدف كان مطار الملك عبدالعزيز الدولي في جدة.
وفي حينها، استخدم المبعوث الأممي إلى اليمن عبارة «استهداف منطقة مكة المكرمة» ووصفها بأنها تطور خطير يؤثر في مشاعر أكثر من مليار ونصف مليار مسلم. أهمية هذه الصياغة أنها تكشف كيف يمكن أن تنتقل العبارة من توصيف سياسي واسع إلى معنى ديني أكثر حدة عند تداولها إعلاميًا؛ فـ«منطقة مكة» يمكن أن تتحول سريعًا في العنوان إلى «مكة»، ثم تتحول في الوعي الشعبي إلى «المسجد الحرام والكعبة».
هذه المسافة بين الواقعة والرواية هي التي تستحق الدراسة. عندما تدخل كلمة «مكة» إلى الخبر، تصبح قدرتها العاطفية أكبر من قدرة التفاصيل التقنية على البقاء في الواجهة. فالناس لا تتعامل مع مكة باعتبارها مدينة عادية؛ هي مهبط الوحي وقبلة المسلمين وأقدس بقاعهم. ومن ثم فإن من ينجح في وضع خصمه في موقع «المعتدي على مكة» يكون قد نقل الصراع في لحظة واحدة من خلاف سياسي وعسكري مع السعودية إلى مواجهة وجدانية مع العالم الإسلامي كله.
وهذه النقطة بالذات تحتاج إلى ترسيخ مبكر؛ لأن الخطأ الأكبر هو انتظار انتشار رواية «استهداف مكة» في العالم الإسلامي ثم الدخول في سباق متأخر لإقناع الناس بعكسها. عندما تنتشر الصورة الأولى، يصبح تصحيحها أصعب بكثير. ولذلك فإن التعامل مع هذه القضية يجب أن ينتقل من رد الفعل إلى سياسة اتصال ثابتة تسبق الأزمة.
البداية تكون بإعلان موقف لا يترك مساحة للتأويل: المسجد الحرام وسائر المقدسات والمدنيون خارج أي استهداف. هذه الرسالة يجب ألا تظهر فقط عند وقوع اتهام؛ ينبغي أن تكون جزءًا ثابتًا من الخطاب السياسي والعسكري، بحيث يعرفها الصحفي والباحث والمتلقي العربي والأجنبي قبل أي حادثة.
بعد ذلك يأتي الفصل الصارم بين الادعاء والمعلومة والدليل. كل طرف في المواجهة يقدم روايته، والحقيقة لا تحددها قوة القناة التلفزيونية ولا حجم المنصة الإعلامية. لذلك فإن استخدام كلمات مثل «إنذار» و«اعتراض» و«مسار» و«هدف» يجب أن يكون دقيقًا؛ فكل واحدة منها تحمل معنى مختلفًا، وتحويل إحداها إلى الأخرى يصنع قصة ربما تكون أكبر كثيرًا من الواقعة الأصلية.
ويتطلب الأمر كذلك سرعة في تقديم المعلومات بعد أي عملية معلنة. الفراغ المعلوماتي لا يعيش طويلًا؛ إما أن تملأه معلومات قابلة للفحص، أو يملأه الخصم بروايته. تقديم طبيعة الهدف والمنطقة العامة وتوقيت العملية، في الحدود التي لا تمس الاعتبارات العسكرية، يمكن أن يمنع تشكل قصة أخرى خلال الساعات الأولى.
وفي المقابل، القوة الحقيقية لأي رواية تأتي عندما يستطيع طرف ثالث مستقل فحصها. الصحافة الدولية الرسمية وغير الرسمية، وتحليل المصادر المفتوحة، وصور الأقمار الصناعية عند توفرها، وتحليل الحطام والمسارات، كلها أدوات تجعل النقاش ينتقل من «من قال ماذا» إلى «ما الذي أمكن إثباته».
ومن المهم أيضًا إنشاء سجل مفتوح لكل ادعاء سابق يتعلق بمكة والمقدسات: متى ظهر؟ ماذا قالت السعودية؟ ماذا قالت صنعاء؟ ما الذي نشرته المصادر المستقلة؟ وما الذي ثبت وما الذي بقي محل نزاع؟ الذاكرة الإعلامية قصيرة، والرواية التي لا توثق يمكن إعادة إنتاجها بعد سنوات وكأنها تظهر للمرة الأولى.
ويبقى الانضباط في الخطاب عنصرًا لا يقل أهمية. الطرف الذي يريد إقناع العالم بأن المقدسات خارج المعركة لا يستطيع أن يترك في خطابه عبارات فضفاضة يمكن اقتطاعها وإعادة تفسيرها. وضوح الهدف، ودقة المفردة، والابتعاد عن أي لغة يمكن حملها على تهديد شامل، كلها جزء من حماية الموقف السياسي نفسه.
اليمنيين جعلوا خلال السنوات الأخيرة دعم الفلسطينيين ومواجهة الكيان الصهيوني جزءًا معلنًا من واقعهم اليومي وخطابهم وعملياتهم في البحر الأحمر، وقد وثقت رويترز أن اليمنيين قدموا تلك العمليات باعتبارها مرتبطة بوقف الحرب والحصار على غزة. هذه الحقيقة تجعل اختزال اليمنيين في صورة «عدو للمقدسات الإسلامية» بحاجة إلى إثبات حقيقي بدل الاعتماد على صورة مسبقة.
ومن جعل القدس قضية مركزية في موقفه لا يجوز أن يُدان باستهداف الكعبة بمجرد خبر غير محقق، ومن أخفق في نصرة الأقصى لا يمنحه وجود الحرمين داخل حدود دولته احتكارًا أخلاقيًا للحديث باسم مقدسات المسلمين.
وبالتالي من الطرف المستفيد والذي يسعى الى استغلال أي حادث محتمل في الحرم، ثم إلصاق التهمة هذا ما يجب أن نتوقف عنده بتأمل. وهنا يكون الموقف الأكثر قوة ومسؤولية هو المطالبة منذ الآن بأن يخضع أي حادث يمس الحرمين لتحقيق مستقل وشفاف، وأن تحفظ أدلته كاملة، وألا يُسمح بتحويل شاشات التلفزيون إلى محكمة تحدد الفاعل قبل أن يبدأ التحقيق.
هذه المطالبة يجب أن توجه بوضوح إلى السلطات السعودية؛ فالحرمين أمانة دينية قبل أن يكونا جزءًا من الجغرافيا السعودية، ومسؤولية إدارتهما تعني مسؤولية حمايتهما، وصيانة مسرح أي حادث محتمل، وتمكين التحقق المستقل، والابتعاد عن توظيف قدسيتهما في مواجهة سياسية أو عسكرية.
مكة لا ينبغي أن تكون درعًا لأحد، كما لا ينبغي أن تكون ساحة لتصفية الحسابات أو ورقة لتعبئة المسلمين. وأي مساس متعمد بها سيكون جريمة بحق الأمة كلها، مهما كان الفاعل، ولهذا فإن أفضل حماية لها تبدأ بوضع قواعد الحقيقة قبل الأزمة: لا اتهام بلا دليل، ولا إدانة قبل تحقيق، ولا تحويل لقدسية المكان إلى بديل عن الإثبات.
الرهان هنا أكبر من كسب سجال إعلامي. المطلوب حماية الوعي الإسلامي نفسه من أن تتحول أقدس بقاعه إلى مفتاح يمكن الضغط عليه كلما احتاج طرف إلى تعبئة المشاعر. فحين يصبح مجرد ذكر «مكة» كافيًا لإيقاف التفكير، تصبح قدسية المكان نفسها عرضة للاستغلال.
ولهذا فإن القضية في جوهرها شديدة البساطة: مكة فوق السعودية، وفوق اليمن، وفوق كل الحكومات، وقدسيتها لا تحتاج إلى من يوظفها في بيانات الحرب. من يريد الدفاع عنها فليحفظها من السلاح، ومن التسييس، ومن الاتهامات غير المثبتة، ومن تحويلها إلى ستار يغطي فشل السياسات أو يختصر الصراع في شعارات دينية.
صون مكة يبدأ بإبعاد الكذب عنها. وعندما يصبح الاتهام بالمقدسات وسيلة لإشعال مشاعر المسلمين قبل اكتمال الحقيقة، فإن الدفاع الحقيقي عن مكة يصبح دفاعًا عن الحقيقة نفسها.










المصدر فؤاد أبو راس
زيارة جميع مقالات: فؤاد أبو راس