محمد القيرعي

محمد القيرعي / لا ميديا -
عرفته للمرة الأولى قبل عقدين تقريباً، في الحالمة تعز، حينما أنيطت به مهمة إدارة مشروع نظافة مدينة تعز، الغارق آنذاك في عثراته كهيئة خدمية، بفعل استفحال مظاهر الفساد المالي والإداري المستشرية في بنيانه الإداري.
وبالرغم من مظاهر الوقار الواضحة التي أطل بها هذا الوافد الجديد، عبد الجليل الحميري، لمشروعنا الحضري نحن «معشر المهمشين»، كوننا الفئة الغالبة في بنيانه الوظيفي، والتي وسمت طرق تعامله النزيه مع محيطه المهني (عمال وعاملات النظافة)، والممزوج بشخصيته المرحة... وبغض النظر عن قصر قامته الملفت أيضاً، والذي قد ينم ربما -من منظوري الشخصي- عن خلل عضوي يكتنف المكونات الجينية المشوهة لأغلب أقرانه القبائل -أينما وجدوا- باعتبار وجودهم بحد ذاته أصلاً في دورات الحياة البشرية، يعد من منظوري الشخصي أحد أبرز أخطاء التاريخ البشري؛ إلا أن أياً من تلك الصفات المثلى التي أطل بها آنذاك، لم تكن كافية البتة بالنسبة لاستحقاقه الحظوة والثقة «المخدمانية»؛ بالنظر إلى حساسيتي المرهفة وعدم ثقتي التاريخية بكل ما يمت للقبائل بصلة.
والحميري في الأول والأخير -من منظوري الشخصي- «قبيلي معسوب»، ومنحدر في الوقت ذاته من أوسع الأسر المشيخية التقليدية نفوذاً: «آل الحميري» في حواشي محافظتي تعز وإب، ما يعني أن مقدمه إلى محيطنا سيكون ممسوساً بجان العجرفة القبلية، كعادة أقرانه الذين يغزون حياتنا وكأنهم طواغيت قدموا من حواصل المغول في القرون الوسطى.
إلا أن الأمر لم يطل بي البتة قبل ان تبدأ شكوكي حوله بالتبدد، الفعلي، لأسباب وعوامل عدة، أبرزها، إلى جانب نجاحه الملفت والمبكر في الحد من وتائر الفساد المتنامية في هيكلية المشروع من جهة، وسرعته من ناحية أخرى في تحقيق نوع ملفت من الإنجازات المبكرة والمتصلة بسد الثغرات المعيشية والاستحقاقية لجموع العاملين والعاملات في هذا القطاع البيئي المؤثر، بالإضافة إلى دعمه المفتوح لتطلعاتهم النقابية، بالتوازي مع سعيه الدؤوب لتحسين أجورهم وعوائدهم المعيشية عبر الاقتراحات الإدارية المتوالية المرفوعة من قبله إلى مجلس إدارة صندوق النظافة والتحسين، والتي لمستها جلية وبشكل شخصي ومباشر من خلال موقعي الإداري الذي كنت أشغله آنذاك كمدير لإدارة العلاقات العامة بالإدارة العامة لصندوق النظافة والتحسين بالمحافظة، وصولاً إلى تبنيه الشخصي لمجمل العثرات القانونية التي كان يتورط فيها بين الفينة والأخرى بعض العاملين والعاملات من المهمشين، وهي أمور تعد في مجملها نادرة الحدوث، وحتى التوقع بالنسبة لنا «معشر المهمشين» جراء النزعات الفاشية الإلغائية المتجذرة في وعي السلطة والمجتمع حيالنا بصورة تاريخية لا فكاك منها.
في الأخير، الكثير من الذكريات المشتركة التي تربطني بهذا الرجل، والتي كلما هممت باستعراض تفاصيلها عظمت عندي ذكراه ومواقفه التي تجعلني أتمنى من صميمي لو أن هذا الرجل خُلق «خادماً» على شاكلتنا؛ لأن منظومة القيم التقدمية النقية التي يعتنقها لا تنطبق بالضرورة كميزة حضارية وإنسانية على أخلاق أقرانه «القبائل»، الذين يعد وجودهم الحياتي في كنف البشرية بمثابة إهانة فعلية للتاريخ، الأمر الذي آمل من خلاله من سلطات تعز التنفيذية المبادرة بإعادة إرثنا «الحميري»، لنتغنى به على الأقل في ظل افتقارنا لما نتغنى به حالياً.

أترك تعليقاً

التعليقات