أسطورة بفمٍ دبلوماسي
- مرتضى الحسني الأربعاء , 25 فـبـرايـر , 2026 الساعة 2:30:54 AM
- 0 تعليقات

مرتضى الحسني / لا ميديا -
لا شيء أخطر على السياسة من أن تُسلِّم مفاتيحها لأسطورة ولا أفتك بالعقل العام من استدعاء “الرب” شاهدَ زورٍ على جريمةٍ مكتملة الأركان.. فما قاله السفير الأمريكي لدى الكيان الصهيوني مايك هاكابي ليس مما يندرج تحت يافطة الاستفزاز اللفظي أو الهذيان الأيديولوجي، إنما هو مما يقع في صلب مشروع استعماري قديم يُعاد تدويره اليوم بفظاظة غير مسبوقة ليُقدَّم بوصفه رؤية شرعية تعيد تفصيل الشرق الأوسط على مقاس خرافة توراتية.
يقول هاكابي بلا ارتباك أو تحفظ إنه «سيكون من الجيد لو أخذت إسرائيل الشرق الأوسط كله».. والمتتبع لخلفيات السفير وتوجهاته سيجد أنه لا يعبّر عن رأي شخصي مبني على اجتهاد ذاتي بل يكشف عن منطقٍ كامن في العقل (الصهيوني -الأمريكي) المتحالف.. منطق لا يعترف بالجغرافيا ولا بالسيادة ولا حتى بالشعوب، إذ يرى المنطقة برمّتها غنيمة مؤجلة، تُستباح متى دقت ساعة الإرادة فالقوة متوفرة والنص التلمودي -الخرافي متكئ على الرفوف فيُستدعى بلحظته المناسبة عسى أن يُجمّل جريمةً تاريخية غير مسبوقة.
سجلُّ الصهيوني هاكابي حافلٌ بهذه الأفكار، فإنكار وجود الفلسطينيين حجر في زاوية تفكيره فالرجل الذي قال مرارًا «لا يوجد شيء اسمه فلسطيني» ودعا علنًا إلى تصدير الشعب الفلسطيني إلى الأردن أو سيناء، لا يتحدث من فراغ بل يعيد إنتاج جوهر الفكرة الصهيونية الأولى (الأرض بلا شعب ولو وُجد الشعب فليُمحَ أو ليُنفَ أو ليُعد تدويره في جغرافيا أخرى)، إذ يرى أن المشكلة تُحلُّ بالمحو المطلق.. إذ الخريطة التي يتخيّلها هاكابي ليست خريطة دولة وإنما خارطة ابتلاع.. فلسطين التاريخية تُبتلع، الأردن يُمحى، لبنان يُختصر كهوامش، سوريا تُفكك، وأجزاء واسعة من مصر والعراق والسعودية تُدرج ضمن «الوعد».. ولا شيء يدل على هذه التصريحات سوى أنه بيان حرب مفتوحة على المنطقة كلها يُغلَّف بلغة دبلوماسية أمريكية، ويُبرَّر بخطاب ديني لا يمتّ إلى الإيمان بصلة.
مما يستدعي الطرافة في الموضوع أن السفير هاكابي عندما سُئِل عن الجينات وعن الـ»DNA» الذي يربط الفلسطيني بهذه الأرض قبل أن تعرف أوروبا معنى «الهجرة الصهيونية».. تجده يفرّ إلى أكثر الأسلحة بدائية «الحجارة تصرخ» عبارة إنشائية فارغة تُستخدم لتعطيل العقل لا لإقناعه.. فأي حجارة؟ وأي علم آثار؟ لقد نُقّبت القدس شبرًا شبرًا لعقود، ولم يعثروا على أثر واحد يؤكد خرافة الهيكل تحت المسجد الأقصى.. ومع ذلك تُقدَّم الأسطورة كوثيقة ملكية ويُرفض العلم لأنه لا يخدم الرواية ممن يدعون أنهم الأكثر علمًا وعقلانيةً في العالم كله.
بالمجمل نحن لسنا أمام صراع حدود، بل أمام صراع عقلين، عقل يرى الأرض وطنًا يعيش عليه الناس، وعقل يراها نصًا تلموديًّا يُستخدم لتبرير السطو واغتصاب الأوطان.. وبين العقلين لا مكان للحياد فتحول الخرافة إلى سياسة يُصيّرُ الاحتلال عقيدةً تتغذى على تزويرٍ تاريخيّ فالصمت في هذا الحين يغدو تواطؤًا يُشجّعُ المجرم ليزداد بطشًا وطغيانا.










المصدر مرتضى الحسني
زيارة جميع مقالات: مرتضى الحسني