عادل بشر / لا ميديا -
يواصل الإعلام الغربي تعرية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في عدوانه مع الكيان الصهيوني على الجمهورية الإسلامية في إيران، وما تمخضت عنه المعركة بعد ستة أسابيع من المواجهات الشرسة.
ففي افتتاحية لافتة، قدمت صحيفة "الإندبندنت" البريطانية، أمس، قراءة تفكيكية قاسية للرواية التي يروج لها ترامب بشأن "انتصاره" المزعوم في الحرب على إيران، معتبرة أن ما جرى ليس سوى محاولة مكشوفة لتجميل فشل عسكري ودبلوماسي متكامل الأركان. وبين خطاب متضخم بالنرجسية، وواقع ميداني وسياسي مأزوم، تتكشف -بحسب الصحيفة- واحدة من أكثر اللحظات ارتباكا في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية.
تبدأ افتتاحية "الإندبندنت" وهي إحدى أعرق الصحف البريطانية، من التناقض الصارخ بين إعلان النصر، والنتائج الفعلية للحرب، حيث تؤكد أن "الحملة العسكرية التي شنها ترامب فاشلة على كل الجبهات"، في توصيف لا يكتفي بالنقد، وإنما يضع الأساس لتحليل أعمق يكشف خلل البنية التي قادت واشنطن إلى هذا المأزق. فالتعامل الأمريكي مع إيران، سواء عبر القوة العسكرية أو عبر المسار التفاوضي، لم يُنتج إلا "كارثة تمثل الوضع الحالي في الشرق الأوسط"، وفق تعبير الصحيفة.
وتتوقف "الإندبندنت" مطولاً عند مشهد المفاوضات التي جرت، السبت الماضي، في إسلام آباد، واستمرت 21 ساعة دون أن تُفضي إلى أي اتفاق. هنا، لا ترى الصحيفة في فشل المفاوضات مفاجأة، وإنما نتيجة منطقية لقوة الأوراق التي تمتلكها طهران، ومن جهة أخرى لطبيعة الفريق المفاوض الذي اختاره ترامب وافتقار واشنطن، أيضاً، إلى أي أوراق قوة.
وقالت الصحيفة إن "أحدا لم يتوقع أن تنتهي الحرب التي استمرت ستة أسابيع، بتسوية شاملة ومستدامة لمواجهة مستمرة منذ 47 عاما، وفي جلسة واحدة استمرت فقط 21 ساعة، وعقدت خلال عطلة نهاية أسبوع في العاصمة الباكستانية إسلام آباد. ولم يكن أحد يفكر جديا بأن الحل ممكن، ولكن فرص تحقيق انفراجة مبكرة تضاءلت بشكل كبير بسبب قرار ترامب إرسال شخصين فشلا في مثل هذه المفاوضات، وهما ستيف ويتكوف، رجل العقارات المتفائل أكثر من اللازم، وجاريد كوشنر، الذي لا يملك من المؤهلات سوى كونه صهر الرئيس".
الأكثر دلالة، بحسب الافتتاحية، هو التهميش المتكرر للمؤسسات الرسمية، وعلى رأسها وزارة الخارجية، ما يعكس خللا بنيويا في إدارة السياسة الخارجية الأمريكية. كما أن تكليف نائب الرئيس "جيه دي فانس" بقيادة الوفد لم يكن، في نظر الصحيفة، سوى "خطأ فادح"، إذ وُضع في موقع لا يخدم لا مصالحه السياسية ولا استقرار العملية التفاوضية. وذهبت الصحيفة إلى أبعد من ذلك، مشيرة إلى احتمال أن يكون فانس قد أُرسل ليكون "كبش فداء" لفشل كان متوقعا سلفا.
في هذا السياق، تكشف "الإندبندنت" عن عمق الانقسامات داخل الإدارة الأمريكية، وداخل الحزب الجمهوري ذاته، حيث تتشابك الحسابات الشخصية مع الضغوط الانتخابية المقررة في تشرين الثاني/ نوفمبر القادم، والتي وصفتها الصحيفة بأنها ستكون "كارثية على ترامب، مما يزيد من إرباك إدارته المضطربة أصلاً".
وعلقت الصحيفة أن "وقف إطلاق النار المفترض، قد لا يستمر لمدة أسبوعين"، مشيرة إلى أنه "في الواقع يبذل الإسرائيليون قصارى جهدهم لتقويض أي جهود للسلام".
وفي واحدة من أكثر فقراتها حدة، تؤكد "الإندبندنت" أن "الدافع الأمريكي للبحث عن تسوية ضعيف، وذلك نابع من موقفهم التفاوضي الضعيف". وتضيف بوضوح لافت: "الاتفاق يعني التنازلات والتسويات، وترامب ورفاقه المتغطرسون لا يستطيعون الاعتراف بما يبدو جليا أنه هزيمة". هذه العبارة -في القراءة السياسية- تختزل جوهر الأزمة الأمريكية التي تتمثل في إدارة عاجزة عن الاعتراف بالواقع، ومستمرة في إنتاج خطاب إنكاري يفاقم الخسائر بدلاً من احتوائها.
وتبلغ الافتتاحية ذروتها بقولها: "لو كان ترامب صريحا هذه المرة، لاعترف بأن طهران تملك الآن معظم أوراق اللعبة، وذلك نتيجة أخطاء واشنطن نفسها". وتضيف: "فقبل الحرب وقبل أن يقنع نتنياهو وبعض الجمهوريين المتهورين في الكونغرس ترامب بشن هذه الحرب، كان مضيق هرمز مفتوحا أمام الملاحة البحرية الدولية، وكانت دول الخليج تنعم باستقرار نسبي"، لكن قرار التصعيد -بحسب الصحيفة- غيّر المعادلة بالكامل، مانحا إيران موقعا تفاوضيا أقوى. والأهم من ذلك، أن الجمهورية الإسلامية "نجت من الحرب الشرسة"، ولا تزال تحتفظ بقدرات نووية كامنة، وهو "ما يُعد نصراً إيرانياً" ويجعل من ادعاء النصر الأمريكي مجرد وهم سياسي.
وفي مواجهة تصريحات ترامب التي علّق فيها على المفاوضات، بقوله: "بغض النظر عما سيحدث، فنحن منتصرون"، ترد الصحيفة قائلة: "هذا الكلام غير صحيح تماما، فمهما حدث الآن، فقد خسرت أمريكا هذه الحرب، سواء انتهت باتفاق ما أو قرر ترامب تصعيد الجهد العسكري".
وتضع "الإندبندنت" ترامب أمام حقيقة استراتيجية ثقيلة: "في صراع غير متكافئ كهذا، حيث تمتلك إيران أدوات التأثير على الاقتصاد العالمي خاصة من خلال مضيق هرمز، لا يمكن لأمريكا أن تنتصر بأي شكل من الأشكال، حتى لو نشرت قوات برية، أو حاولت هذه القوات فتح مضيق هرمز المليء بالألغام".
وتؤكد الصحيفة البريطانية أن الخيارات المتاحة أمام واشنطن باتت جميعها مُرة، وأن "أمريكا ستضطر عاجلا أم آجلا إلى الموافقة على شروط مذلة تفرضها طهران، أو الانسحاب وترك الملف لقوى أخرى كأوروبا والصين ودول الخليج". وفي كلتا الحالتين، سيكون ذلك "إذلالًا كبيرًا لأمريكا لا يقل عن مشاهد إجلاء سايغون عام 1975 أو الانسحاب من كابول في 2021م، حتى وإن جاء بصورة أكثر تنظيما".
ويُعد إجلاء سايغون، الذي عُرف باسم "عملية الريح المتكررة"  أحد أبرز المشاهد الدرامية في نهاية حرب فيتنام، والتي اضطرت فيها القوات الأمريكية أواخر نيسان/ أبريل 1975، تنفيذ أكبر عملية إجلاء وهروب بالمروحيات في التاريخ، حيث نقلت آلاف الأمريكيين والعملاء والمرتزقة الفيتناميين الجنوبيين من سايغون إلى سفن الأسطول السابع في بحر الصين الجنوبي. وقامت المروحيات بإجلاء الأشخاص من أسطح المباني، بما في ذلك سطح مبنى (CIA)، وسط حالة من الذعر والفوضى، خوفاً من القوات الفيتنامية.
البعد الأكثر مأساوية، في الخسارة الأمريكية أمام إيران، كما ترى "الإندبندنت"، يكمن في أن "واشنطن في عهد ترامب تخلت من جانب واحد عن اتفاقيتين دبلوماسيتين سلميتين كانتا ستحققان معظم، إن لم يكن كل، الأهداف الاستراتيجية الأمريكية التي باتت الآن بعيدة المنال" حدّ تعبيرها.
الاتفاقيتان، وفقاً للصحيفة، هما "الاتفاق النووي الإيراني الذي تم التوصل إليه في عهد باراك أوباما، والذي قيّد البرنامج النووي الإيراني بآليات رقابة وإشراف دولي دقيق ومنتظم". مشيرة إلى أن "ترامب مزق هذا الاتفاق خلال ولايته الأولى، بدافع الحسد، لأن من تفاوض عليه كان باراك أوباما"، الأمر الذي فتح الباب أمام التصعيد الحالي.
وتضيف: "الاتفاق الثاني وهو الأحدث بين طهران وواشنطن بوساطة عمانية، قبيل الحرب، ووافقت فيه إيران على عدم بناء مخزون نووي، وكان جاهزاً للتوقيع، لكن ترامب قرر في أواخر شباط/ فبراير بأن خيار القوة هو الأفضل، ولم يكن هذا الخيار مجدياً حينها، ولا هو كذلك الآن".