مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
النجار.. حين كان الخشب ينطق بالدفء
في الزمن الجميل، كان صوت المطرقة في دكان النجار موسيقى صباحية تعلن بدء الحياة.
كان الخشب في يديه كائناً حياً يئنّ حين يُقطع، ويغنّي حين يُصقل.
النجارة لم تكن صنعة فحسب، بل طقساً يومياً من الإتقان، يزاوج فيه الرجل بين الصبر والدقة، وبين العرق والفن، ليصنع من جذع الشجر روحاً تسكن البيوت وتؤنس الناس.

رائحة الخشب.. عطر الصباح
كان دكان النجار يفوح برائحة لا تخطئها الأنوف؛ مزيج من الخشب المبتلّ بالعرق ونشارة الصنوبر، تلك النشارة التي كانت تلتصق بالملابس مثل غبارٍ نبيلٍ لا يُغسل بسهولة.
وفي الصباح، كان يفتح بابه على ضوءٍ مائلٍ من الشمس، فيرتّب أدواته كأنّه يتهيأ للصلاة، ثم يضع الخشب على الطاولة كما يضع الطبيب قلب مريضٍ يريد إنقاذه.

المطرقة والقدّوم..
أنشودة العزّ
لم تكن أدوات النجار مجرّد حديدٍ وخشب، بل كانت امتداداً لروحه.
المطرقة تعرف إيقاع يده، والقدّوم يفهم مزاجه، والمنشار لا يخطئ طريقه بين العروق.
كلّ حركةٍ له كانت درساً في التوازن بين القوّة والرفق. 
كان يقطع بحدّةٍ ليمنح الحياة شكلها الأجمل، فيا لَلعجب! كيف من الخشونة تولد النعومة.

دكانه.. متحف الأسرار
في زاوية الحيّ، كان دكّانه مأوى للناس.
هناك يجلس الجار ليستريح من تعب الطريق، وهناك يتبادل الكبار همومهم وأخبارهم، فيما النجّار يواصل عمله صامتاً، يكتفي بابتسامةٍ ودودة أو بعبارة: "تفضّل.. القهوة ع النار".
لم يكن مجرّد حرفي، بل كلن وجهاً اجتماعياً من وجوه الحيّ، يجمع الناس كما تجمع الطاولة التي صنعها أياديهم حولها.

من الشجرة إلى الباب
كان النجار في الزمن الجميل يرافق الخشب منذ ولادته، يعرف نوعه من ملمسه، ويحدّثه كصديق قديم.
يحوّله إلى بابٍ متين، أو سريرٍ ناعم، أو خزانةٍ تعبق برائحة الزمن.
وكان يوقن أن كل قطعةٍ من عمله ستمسّ حياة إنسان، فيودع فيها من قلبه بقدر ما يضع من مهارته.

نجار اليوم.. حين تغيّر الخشب
اليوم، تغيّر كل شيء.
غابت المطرقة، وجاءت المناشير الكهربائية، وحلّت المصانع محلّ الورش الصغيرة.
صار الخشب يقطع بالآلات لا بالأيدي، والأثاث يُستورد جاهزاً بوجوه دون روح.
تراجعت حكاية النجار الذي يعرف أسرار الخشب، لتحلّ محلّها حكاية الشركة التي تعرف أسرار الربح.

بين الحرفة والفنّ
لم يكن النجار القديم يفرّق بين الحرفة والفنّ، فهما عنده شيء واحد.
كان يصقل الخشب كما يصقل قلبه، ويؤمن أن الجمال في التفاصيل الصغيرة؛ في الزاوية الدقيقة، والمفصل الذي لا يصرّ، والطلاء الذي يلمع كابتسامة راضية.
أمّا اليوم، فالجمال في السعر والسرعة، لا في الصبر والإتقان.

حين كان البيت
يُبنى على الخشب
كان البيت في الزمن الجميل يبدأ من دكان النجار.
الأبواب التي تصدّ الريح، والنوافذ التي تطلّ على الضوء، والخزانة التي تحفظ ثياب العيد.. كلّها كانت تولد بين أصابعه.
وربما لهذا كان الناس يشعرون بالدفء في بيوتهم، فالأثاث لم يكن من خشبٍ فقط، بل من قلبٍ يعرفهم ويحبّهم.

خاتمة
النجار في الزمن الجميل لم يكن يصنع الأثاث فحسب، بل يصنع الألفة.
كان يُسكن الخشب في الروح قبل أن يُسكنه في البيوت.
واليوم، بعد أن صمتت المطرقة واستبدلت اليد بالآلة، بقيت تلك الذكرى تهمس: إن أجمل ما في الخشب أنه يحتفظ بحرارة من لمسَه، وإن أجمل ما في الحرفة أنها تذكّرنا بأن الفنّ يبدأ من عرقٍ صادق، ويدٍ تحبّ ما تفعل.

أترك تعليقاً

التعليقات