مـقـالات - مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا - الحطّاب.. فلسفة الدفء الأولى قبل أن تُختزل النار في زرّ، وقبل أن يصير الدفء خدمةً سريعة، كان للحياة جسدٌ مسموع؛ الفأسُ لغته، والخشبُ حنجرته. في أطراف القرى، حيث يبدأ العالم في التخفّف من صخبه، وقف الحطّاب وسيطاً: نصفه من الغابة، ونصفه من البيوت. يأخذ من الشجرة ما يكفي ليحيا الناس، ويترك لها ما يكفي لتستمر....

مروان ناصـح / لا ميديا - الحميماتي.. عاشق الطيران كان يطلّ على الأسطح، كأنه يفتح بابًا إلى عالمٍ لا يُرى إلا بالعين التي تعرف كيف تحلم. يحمل الحبوب، يوزّعها كأنّه يوزّع نجومًا صغيرة على السطح، ثم يصفر بنغمة أليفة، فتنهض الحمامات، كمن يجيب نداءً قديمًا، يقطع به الصمت، ويُعيد للسماء حقها في أن تكون ملاذًا للروح. إنه الرجل الذي يطلق الطير كما يطلق الأحلام....

مروان ناصح / لا ميديا - المكوجي.. سيّد النار الهادئة في الأزمنة التي سبقت المكواة الكهربائية والضغط السريع، كان للملابس طريقٌ أطول إلى الأناقة. هناك، في دكان صغير، تتدلّى عند بابه القمصان و"البنطالونات"، يقف المكوجي حارس الهندام وراوي الأسرار. لا يكتفي بتمليس القماش، بل يعيد للنسيج كرامته، وللناس ثقتهم بأنفسهم. المكواة.. نار تُروَّض مكواة المكوجي ليست أداة صمّاء، بل صندوق حديدي يُملأ جوفه بالجمر....

مروان نـاصح / لا ميديا - الدلّال.. صوت السوق وقلب الوساطة في الأزقّة القديمة، بين محالّ المدينة العتيقة، كان يقف رجلٌ لا يحمل بضاعة، بل كلمة، ولا يبيع سلعة، بل ثقة. إنه الدلّال؛ الواقف بين من يملك ومن يحتاج، بين العرض والرغبة. * وسيطٌ بوجه إنسان وقلب سوق لم يكن مجرّد حلقة اقتصادية، بل روحاً اجتماعية تمشي على قدمين، يعرف الناس كما يعرف الشاعر أبياته، ويحفظ رغباتهم كما تُحفظ الأسرار....

مروان ناصح / لا ميديا - الدبّاغ.. سيّد الجلد ورفيق التعب الجميل في المدن العتيقة، عند أطراف القرى، حيث للشمس ألفة، وللماء ذاكرة، كان الدبّاغ يقف قرب أحواضه كأنه حارسُ سرٍّ قديم. مهنة لا تعرف الزينة، ولا تطلب العطف، تعيش على الهامش، وتصنع ما نلمسه كل يوم. أستاذ في مدرسة الجلود في عالمٍ تنفر منه الأنوف وتألفه القلوب الصبورة، كان الدبّاغ يعلّم الجلد، كيف ينسى قسوته الأولى....

  • <<
  • <
  • ..
  • 3
  • 4
  • 5
  • ..
  • >
  • >>