فهد شاكر أبو راس

فهد شاكر أبوراس / لا ميديا -
في مشهد يومي ليس بمعزلٍ عن سياقٍ أوسعٍ من المعاناة الممتدة في قطاع غزة، يضع تقرير الخسائر ضمن إطار زمني أوسع، يبدأ من اليوم التالي لبدء سريان وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر الماضي، ليصل اليوم العدد التراكمي منذ ذلك التاريخ إلى 509 شهداء و1,405 مصابين، مع تسجيل 715 حالة انتشال لجثامين شهداء خلال الفترة ذاتها.
وهذه الأرقام التي تغطي فترة كان من المفترض أن تكون فترة هدنة، تُظهر كيف أن العنف لم يتوقف فعليًا، بل تحوّل أو تغيّرت وتيرته، ليواصل حصد الأرواح وإصابة الأجساد، مما يطرح تساؤلاتٍ عميقةً حول طبيعة الاتفاقيات وحدودها الفعلية على الأرض، وفعالية أي وقف لإطلاق النار في ظل استمرار الظروف الميدانية المعقدة التي تمنع حتى انتشال الجثث.
لكن القفزة الكبيرة في هذا المشهد الإحصائي تأتي عند النظر إلى الحصيلة التراكمية الشاملة منذ بداية هذا العدوان في 7 أكتوبر 2023، حيث تصل الأرقام إلى 71,769 شهيدًا و171,483 إصابة، وذلك بعد إضافة 85 شهيدًا جرى استكمال بياناتهم واعتمادهم رسميًا من قبل لجنة اعتماد الشهداء عن الفترة الممتدة بين 23 و30 يناير 2026.
وهذه العملية البيروقراطية -»استكمال البيانات والاعتماد الرسمي»- تخفي وراءها مأساة أخرى، هي مأساة التأخير في الاعتراف حتى بالوفاة، حيث تمر شهور وأحيانًا أكثر على سقوط الضحايا قبل أن تدخل أسماؤهم رسميًا في السجل، بسبب الصعوبات اللوجستية والأمنية في التوثيق وجمع المعلومات في ظل حرب مستعرة، مما يعني أن العدد الحقيقي قد يكون أكبر، وأن العبء النفسي والاجتماعي على الأسر التي تنتظر اعتماد فقدانها يضاف إلى عبء الفقد نفسه.
هذا التصاعد المتواصل في الأرقام لا يأتي في فراغ، بل هو محصلة طبيعية -وإن كانت مروعة- لتفاقم الأوضاع الإنسانية والصحية إلى درجة الانهيار، فاستمرار القصف يعني استمرار تدفق الضحايا، وتقييد حركة الطواقم الطبية والإسعافية يعني تأخر وصول المساعدة وزيادة عدد من يموتون بسبب النزيف أو مضاعفات الإصابات التي كان يمكن إنقاذهم لو كانت الخدمات متاحة، وعجز المنظومة الصحية عن الاستجابة الكاملة يعني أن المستشفيات التي تعمل بأقل من طاقتها، والتي تفتقر إلى الأدوية الأساسية والوقود والمعدات والأطباء المتخصصين، تُجبر على ممارسة طب الكوارث بأبسط أشكاله، حيث تحولت غرف العمليات إلى خطوط إنتاج للبتر والإسعاف الأولي، واختفت القدرة على علاج الأمراض المزمنة أو إجراء العمليات المعقدة.
هذا العجز هو جزء من المعادلة التي تصنع هذه الأرقام الكارثية، فالكثير من الإصابات تتحول إلى وفيات بسبب عدم توفر الرعاية اللاحقة، والكثير من المرضى الذين يعانون من أمراضٍ غير مرتبطة بالحرب مباشرة يموتون بسبب انهيار النظام الصحي، دون أن يُدرجوا دائمًا في إحصاءات ضحايا القصف المباشر، لكنهم في النهاية ضحايا للحرب بلا أدنى شك.
إن هذه الإحصاءات، بكل ما تحمله من ثقلٍ عددي، تحاول أن تروي قصةً إنسانيةً لا يمكن للأرقام وحدها احتواء أبعادها.. كل رقم من هذه الأرقام يمثل حياة انقطعت، أسرة تشرذمت، طموحا دُفن، ومستقبلا أُجهض.
الركام الذي تُترك تحته الجثث ليس ركامًا من الحجارة والإسمنت فحسب، بل هو ركام من الذكريات والخطط والعلاقات الإنسانية.
وصعوبة الوصول التي تواجه طواقم الدفاع المدني لا تعني فقط تحديات لوجستية، بل تعني تأجيلًا للوداع الأخير، وحرمانًا للأهل من حق دفن موتاهم بكرامة، وهو ما يضيف طبقاتٍ من الصدمة النفسية الجماعية على المجتمع الغزّي الذي يعاني أساسًا من حصار طويل الأمد ودمار هائل في البنية التحتية. كما أن عملية انتشال الجثامين نفسها، والتي بلغت 715 حالة منذ 11 أكتوبر وفق البيان، هي عملية محفوفة بالمخاطر الجسدية والنفسية للعاملين فيها، الذين يغامرون بحياتهم لاستعادة جثث في مراحل متقدمة من التحلل أحيانًا، في مشاهد تختزل فظاعة الحرب ووحشيتها.
كما أن استمرار تسجيل هذه الأرقام، يوما بعد يوم، مع إضافة المزيد من الشهداء «المستكملة بياناتهم»، يؤكد أن قطاع غزة يعيش تحت وطأة حالة طوارئ دائمة، حيث تحولت الحياة إلى مساحة ضيقة بين قذيفة سابقة وأخرى لاحقة، وحيث أصبح الموت حدثًا يوميًا عاديًا في غير الطبيعي.
التحديث الإحصائي اليومي لوزارة الصحة في قطاع غزة هو أكثر من مجرد تقرير طبي؛ فهو وثيقة اتهام، وسجل تاريخي، وصورة حية عن قدرة الإنسان على التحمل في أقسى الظروف، وعن إصرار جهاز صحي منهك على التوثيق والشهادة في وجه محاولات طمس الرواية.
وفي الوقت نفسه، فإن هذه الأرقام تثير أسئلةً أخلاقيةً وقانونيةً كبيرةً أمام المجتمع الدولي حول مفهوم «التناسب» في النزاعات المسلحة، وحول حدود القانون الإنساني الدولي، وعن مسؤولية حماية المدنيين.
فوصول عدد الشهداء إلى هذا الحد المهول، مع استمرار تدهور الوضع الإنساني بشكل حاد، يشير إلى فشل ذريع في آليات الحماية الدولية، وإلى تحول المعاناة الإنسانية إلى أمرٍ روتيني في التغطية الإعلامية، مما قد يؤدي إلى نوع من التبلد الأخلاقي العالمي إزاء هذه الكارثة.
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في استمرار القتل والتشويه، بل في أن يصبح هذا القتل مقبولًا ضمنيًا كجزء من «صورة الصراع» المعتادة، وهنا تكمن أهمية استمرار هذا التوثيق اليومي الدقيق، رغم كل الصعوبات، كتذكيرٍ مستمرٍ بأن كل رقم هو عالمٌ كاملٌ انتهى، وأن هذه الحصيلة التراكمية الضخمة ليست حصيلة عسكرية، بل هي فاتورة إنسانية باهظة الثمن دفعها الشعب الفلسطيني، وسيدفعها الضمير الإنساني.
فما يحدث في غزة هو تفكيك منهجي للحياة، حيث تتحول الأحياء إلى أرقام، والأرقام إلى ذاكرة، والذاكرة إلى أداة صراعٍ وجودي على الحقيقة والعدالة.

أترك تعليقاً

التعليقات