عثمان الحكيمي

عثمان الحكيمي / لا ميديا -
في لحظة يتسارع فيها نبض "الشرق الأوسط" كأنه يقف على شفير الانفجار، تتداخل المشاهد بوتيرة درامية: مناورات عسكرية "إسرائيلية" واسعة في حيفا لتعزيز الجبهة الداخلية، بينما تمارس "تل أبيب" ضغوطاً محمومة على واشنطن لإفشال أي اتفاق مع طهران، مفضلة دفعاً نحو هجوم عسكري مباشر. في الوقت نفسه، تتحرك وساطات تركية -قطرية -سعودية -مصرية مكثفة لتفادي صدام مرتقب بين إيران وأمريكا، مع تقديرات "إسرائيلية" بأن "ساعة الصفر" قد تقترب خلال أسابيع إلى شهرين.
هل هذه التطورات مصادفة عشوائية، أم أجزاء من لوحة استراتيجية متكاملة تُعد لمواجهة شاملة؟ الأحداث المترابطة -من اجتماعات نتنياهو الطارئة بعد زيارة زامير السرية إلى واشنطن، إلى مناورات حيفا الدفاعية- تكشف كياناً يجمع بين صلف يعلو وقلق وجودي عميق، محاولاً فرض تصعيد عسكري في وجه وساطات دبلوماسية إقليمية تحاول احتواء الأزمة. المنطقة تترقب: توافقات دبلوماسية أم حرب إقليمية لا تبقي ولا تذر؟

اجتماعات نتنياهو الطارئة..نتائج زيارة زامير إلى واشنطن وخريطة التصعيد
فور ملامسة عجلات طائرة رئيس الأركان إيال زامير أرض "تل أبيب" بعد زيارته السرية إلى واشنطن، استدعى نتنياهو أركان حربه في اجتماع أمني طارئ لم يخلُ من ملامح التوتر: مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس، ورئيس الموساد ديفيد برنياع، ورئيس الأركان نفسه. كاتس عقد لقاءً منفصلاً مع زامير لتقييم الجاهزية "لأي سيناريو"، مركزاً على الخطر الوجودي القادم من الشرق.
الزيارة الأمريكية كانت حلقة وصل جوهرية: مباحثات مكثفة في "البنتاغون" حول تنسيق عسكري، تقديرات بهجوم أمريكي محتمل خلال أسابيع إلى شهرين، وتبادل معلومات استخباراتية حساسة. "تل أبيب" تمارس ضغوطاً هائلة على إدارة ترامب لرفض أي صفقة نووية محدودة، مفضلة تصعيداً يستهدف البرنامج النووي والصواريخ الباليستية معاً، خوفاً من بقاء النظام الإيراني قوياً. هذا الصلف "الإسرائيلي" يدفع نحو مواجهة شاملة، مع تحذيرات إيرانية من حرب إقليمية إذا وقع هجوم، مما يعكس قلقاً وجودياً في القيادة "الإسرائيلية" تجاه التهديد الاستراتيجي الأكبر.

مناورات حيفا.. تدريب روتيني أم رسالة ردع مشفرة لإيران وحلفائها؟
بينما كانت الطائرات تعود بالمسؤولين من واشنطن، أعلن الجيش "الإسرائيلي" إجراء مناورات ليلية لقيادة الجبهة الداخلية في منطقة حيفا، ضمن برنامج 2026 "المخطط مسبقاً"، مشدداً على عدم ارتباطها بحدث أمني فوري، مع وعد بإبلاغ السكان إذا وقع شيء حقيقي. لكن التوقيت والمكان يشيان بغير ذلك: حيفا، بمينائها الاستراتيجي ومصافيها الحيوية، تمثل الخاصرة الرخوة التي قد تُستهدف في أي رد إيراني أو من حزب الله. المناورات تختبر الإنذار المبكر، الاستجابة السريعة، وامتصاص ضربات صواريخ باليستية أو مسيرات انتحارية في سيناريو متعدد الجبهات.
بالتزامن مع الاجتماعات الأمنية والضغط على واشنطن، تبدو هذه التدريبات جزءاً من استعداد شامل لمواجهة إقليمية محتملة. الكلام المطمئن يخفي توتراً حقيقياً؛ إنها رسالة ردع مشفرة: تطمئن الداخل "الإسرائيلي" بحماية الجبهة الداخلية، وترسل تحذيراً لطهران وحلفائها بأن الكيان مستعد لامتصاص الضربة الأولى ويرد بقوة. محاكاة القصف المكثف تعكس إدراكاً بأن الحرب القادمة لن تكون نزهة، بل مواجهة شاملة تتطلب تكاتفاً مدنياً-عسكرياً للصمود.

الوساطات الإقليمية..فرصة دبلوماسية هشة أم مجرد تأجيل للعاصفة؟
تقف المنطقة اليوم على حافة هاوية سحيقة، حيث يتصارع خياران لا ثالث لهما: اتفاق دبلوماسي أمريكي -إيراني تراه "إسرائيل" انتحاراً استراتيجياً يبقي طهران قوية ومسلحة، أو المضي نحو مواجهة عسكرية قد تشعل حرب إقليمية لا تبقي ولا تذر، تغرق الخليج والممرات البحرية والعواصم في فوضى شاملة. الضغوط "الإسرائيلية" الهائلة على واشنطن -من خلال زيارة رئيس الأركان إيال زامير السرية وتقديراته بأن الهجوم الأمريكي قد يقع خلال أسابيع إلى شهرين- تهدف صراحة إلى إغلاق أبواب التفاوض نهائياً، خاصة تلك التي تجري عبر وسطاء إقليميين (تركيا، قطر، السعودية، مصر)، والتي تصفها "تل أبيب" بأنها مجرد مناورات سياسية تمنح إيران وقتاً ثميناً لإصلاح برنامجها النووي.
في هذا السياق، تتحول الجهود الوساطية إلى مسرح درامي يجمع بين الأمل اليائس والحسابات الباردة. قطر تتقدم بخطى خائفة: زيارة رئيس وزرائها الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني إلى طهران في 31 يناير لم تكن لقاءً بروتوكولياً، بل محاولة لإعادة صياغة المشهد عبر حوار مباشر مع لاريجاني وعراقجي، يركز على خفض التوتر وفتح قنوات ثقة حقيقية. تركيا ترفع السقف إلى أعلى مستوى: اقتراح نقل اليورانيوم المخصب (نحو 440 كجم بنسبة 60%) إلى أراضيها كضمان دائم لا يعاد، مع التحضير للقاء وشيك في أنقرة يجمع مبعوثاً أمريكياً (ستيف ويتكوف) بمسؤولين إيرانيين، خطوة تحول أنقرة إلى نقطة التقاء الإرادات المتناقضة، وتعكس ثقة إيران في قدرتها على التفاوض من موقع قوة. مصر والسعودية تضيفان وزناً نوعياً: اتصالات السيسي المباشرة مع بزشكيان، وضغط الرياض على واشنطن لإعطاء فرصة أخيرة قبل إغلاق الباب العسكري نهائياً، خوفاً من تعطيل الملاحة.
التناقض يشتعل هنا بقوة: "إسرائيل" تصف هذه التحركات بـ"المناورة الإيرانية لكسب الوقت"، معتبرة أنها تمنح طهران فرصة لإعادة بناء قدراتها بعد الضربات السابقة، بينما إيران ترفع سقف المطالب بثبات مذهل: "عدالة مطلقة" -لا ضغوط أحادية، ضمانات أمنية ملزمة، رفع عقوبات شامل- مع رفض قاطع لأي تفكيك للصواريخ الباليستية أو القدرات الدفاعية. ترامب، محاصر بالوساطات وبضغط حلفائه الخليجيين الذين يرتجفون من شبح الاضطرابات، يظهر انفتاحاً ظاهرياً، لكنه يشترط شروطاً تجعل الاتفاق يبدو بعيد المنال في نظر طهران.
هذه الوساطات هل هي مجرد فرصة دبلوماسية هشة أم نافذة ضيقة محملة بالمخاطر والإمكانيات؟ هل تستطيع إيران إبرام اتفاق يمنحها متنفساً استراتيجياً دون أن تفقد جوهر قوتها الردعية، ويثبت أن صمودها الدبلوماسي يجبر الخصوم على التراجع التكتيكي،أم أن التصعيد هو سيد الموقف وسيعود بلهيب أشد، والوساطات ستصبح مجرد ذكرى لمحاولة فاشلة في إيقاف عاصفة كانت تتجمع منذ أشهر في المنطقة.
في مطلع فبراير 2026، يبرز الرد الإيراني كدليل حي على "الصمود الذكي" الذي يجمع بين ردع قوي ومرونة دبلوماسية، مما يفرض احتراماً على الخصوم. تحذير المرشد الأعلى علي خامنئي يوم 1 فبراير -"إذا بدأت أمريكا حرباً، فستكون هذه المرة حرباً إقليمية"- ليس خطاباً عابراً، بل تقدير دقيق للواقع: إيران قادرة على توسيع الصراع ليشمل قواعد أمريكية في الخليج، إغلاق ممرات هرمز، وردود فعالة، في إيران أكملت الصورة برد سياسي حاسم: تصنيف جيوش الاتحاد الأوروبي "جماعات إرهابية" كرد فعل ذكي يعكس القدرة على الرد السياسي السريع والمباشر، ويرسل رسالة واضحة بأن إيران لن تقبل بأي تحالف أوروبي ضد مصالحها دون عواقب. هذا النهج يضع الخصوم أمام معادلة قاسية: التصعيد يعني خسائر هائلة، والحوار يصبح الخيار العقلاني الوحيد.
في الختام، المنطقة اليوم تتنفس على إيقاع دقات ساعة معلقة؟ إيران، بذكائها وثباتها، تجعل الإجابة أكثر تعقيداً: فهي لا تخسر في الحوار ولا في المواجهة، بينما الطرف الآخر سيدفع ثمناً لم يعتاده. الأيام القليلة القادمة ستحسم: سلام هش أم نار شاملة؟!

أترك تعليقاً

التعليقات