عبد الحافظ معجب

عبدالحافظ معجب / لا ميديا -
تتجلى خطورة العدو الصهيوني في كونه كياناً لا يكتفي بالمواجهات العسكرية التقليدية أو الغارات الجوية الغادرة، بل يمتد مكرُه لنسج شباكٍ استخباراتية ميدانية ورقمية غاية في التعقيد، تهدف في جوهرها إلى تمزيق النسيج المجتمعي واختراق الروح المعنوية للشعوب المقاومة من الداخل، إن أجهزة استخبارات العدو، وعلى رأسها جهاز "الموساد"، تعتمد استراتيجيات تجنيد تتسم بالخبث والدهاء المفرط، حيث تعمد إلى دراسة النفسية المجتمعية بعناية لتستغل كل ثغرة ممكنة في جدار الوعي الشعبي، فمن استغلال الدوافع المادية الدنيئة والبحث عن الوجاهة الاجتماعية الزائفة، إلى التسلل الممنهج عبر منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية التي تعرض فرص عمل وهمية بمرتبات خيالية، يسعى العدو لاصطياد الضحايا وتوريطهم تدريجياً في مهام تجسسية تخدم أجندته العدوانية التوسعية في المنطقة.
لقد أدرك العدو الصهيوني، ومن خلفه قوى الاستكبار العالمي، أن اليمن بخصوصيته الجغرافية الاستراتيجية المطلة على مضيق باب المندب، وهويته الإيمانية الراسخة وعقيدته الجهادية الصلبة، يمثل تهديداً وجودياً مباشراً لمصالحه ومشاريعه الاستعمارية، ولذلك لم يدخر العدو جهداً في ابتكار أساليب اختراق تتجاوز الحدود التقليدية المعروفة في عالم الجاسوسية، فالموساد لا يتورع عن استخدام ما يُعرف بـ "المصيدة العسلية" عبر نسج علاقات عاطفية وهمية بأسماء وهويات مزيفة لإسقاط الأفراد في فخ الابتزاز الأخلاقي والضغط النفسي العنيف، مما يجبرهم على الانزلاق في مستنقع الخيانة تحت وطأة التهديد بالفضيحة، كما يبرز استهداف فئة الشباب والطلاب المتميزين كإحدى أخطر هذه السياسات الاستراتيجية، حيث يتم تقديم منح دراسية مسمومة وفرص تعليمية براقة في جامعات دولية مشبوهة، تهدف في باطنها إلى عملية "غسل أدمغة" ممنهجة، تهدف لتحويل الكوادر الوطنية المستقبلية إلى أدوات طيعة لجمع المعلومات الحساسة أو قادة رأي مرتهنين للخارج يروجون لثقافة الهزيمة والتبعية.
وعلاوة على ما سبق، يستثمر الكيان الصهيوني بانتهازية مفرطة في الأزمات الإنسانية والظروف الاقتصادية الصعبة الناتجة عن الحصار الخارجي، كما يستغل الصراعات الداخلية لتجنيد عناصر محلية عبر وعود زائفة بالدعم العسكري أو الاعتراف السياسي، وهو ما تجلى بوضوح في علاقاته المشبوهة مع فصائل الارتزاق في المناطق المحتلة، وعلى رأسها ما يسمى بالمجلس الانتقالي الذي أظهر بوقاحة رغبته في التطبيع، وفي نماذج مشابهة لما جرى في فلسطين ولبنان وإيران، رُصدت في اليمن محاولات دؤوبة لـ"استثمار الحاجة البشرية" عبر استغلال شبح الفقر والبطالة، حيث يتم استدراج الشباب المبدعين بعروض عمل مغرية في مجالات التقنية والذكاء الاصطناعي والحاسوب، لينتهي بهم المطاف كمصادر معلومات تقنية تخدم العمليات الاستخباراتية المعادية دون أن يدركوا في البداية خطورة المنزلق الذي سقطوا فيه، وبما أن هذا التنوع في الأساليب يعكس مرونة عالية لدى العدو وقدرة على التكيف مع المتغيرات السياسية، فإن المواجهة الحقيقية تتطلب وعياً وطنياً شاملاً وتماسكاً مجتمعياً يستند في أساسه إلى المشروع القرآني العظيم، الذي يكشف بوضوح زيف هذه المحاولات ويحصن الفرد والمجتمع من السقوط في مستنقع العمالة المظلم.
بموازاة ذلك، يتجاوز المكر الصهيوني حدود التجنيد البشري المباشر ليتوغل في أدق تفاصيل الحياة الرقمية والسيبرانية، حيث أصبحت التكنولوجيا الحديثة بمثابة الذراع الاستخباراتية الطولى التي لا تهدأ على مدار الساعة، ويستخدم الموساد برمجيات تجسس فائقة التطور لاختراق الهواتف الذكية وتتبع تحركات الناشطين والمؤثرين وصناع القرار السياسي والعسكري في إطار ما يمكن تسميته بـ"الاستطلاع الرقمي والمكاني الممنهج"، هذه الأدوات التقنية لم تعد مهمتها تقتصر على جمع البيانات التقليدية، بل تعمل ضمن مسارات متعددة تهدف للابتزاز المباشر والتهديد بكشف المعلومات الشخصية الحساسة لإرغام الأفراد على الدخول في دوامة التخابر القسري.
وتعد منصات التوظيف الدولية الوهمية وشهادات الدكتوراه الفخرية وبرامج الاستبيانات الممولة واستطلاعات الرأي التي تدعي الحياد، وسيلةً مفخخة أخرى لجمع المعلومات الاجتماعية والديموغرافية تحت غطاء البحث العلمي أو العمل الصحفي والإعلامي المستقل، مستغلين في ذلك "الفجوات الثقافية" لدى البعض والترويج المستمر لثقافة الانبهار الأعمى بكل ما هو غربي، محاولين إقناع الجيل الصاعد بأن الارتباط بالمشروع الصهيوني هو بوابة العبور الوحيدة نحو الحداثة والرخاء الاقتصادي الموهوم.
وعلى خطٍّ استخباريٍّ أكثر خبثاً، تعمد المخابرات الصهيونية بالتنسيق مع أجهزة المخابرات الغربية والعربية المتصهينة إلى استهداف المكونات الاجتماعية الهشة والترويج لأفكار غريبة عن مجتمعاتنا، عبر دعم الأقليات الدينية والعرقية المصطنعة كالبوذية والبهائية والأحمدية، لخلق كيانات موازية تضعف الولاء الوطني الإيماني الجامع، وتشير تقارير الأمن القومي الصهيوني المسربة بوضوح إلى أن استراتيجيتهم المستقبلية تعتمد على تقنية "هندسة التصدعات البينية" في الجغرافيا العربية وتفتيتها إلى دويلات مجهرية ونظم سياسية مبنية على هويات ضيقة ومتناحرة، وهو ما يفسر سعيهم الدؤوب لبناء علاقات سرية مع مكونات انفصالية أو طائفية في دول مثل سوريا والعراق واليمن، ويمتد هذا الاستهداف ليصل إلى محاولة اختراق الشخصيات القبلية والاجتماعية المؤثرة وقادة الرأي والمشاهير، عبر تقديم دعم مالي سخي لمؤسساتهم ومنظماتهم تحت عناوين "تنموية" أو "حقوقية" براقة، مقابل توفير معلومات استخباراتية دقيقة عن الداخل أو العمل على تلميع صورة الكيان والموالين له سراً في الأوساط المحلية لتهيئة الرأي العام لتقبل فكرة "السلام المذل".
تلعب "الدعاية النفسية" السوداء، دوراً حاسماً في هذه المعركة الوجودية، من خلال توظيف ترسانة ضخمة من وسائل الإعلام والمواقع الإخبارية لبث معلومات مضللة وشائعات مغرضة تهدف إلى تضخيم قدرات العدو العسكرية والتقنية وبث روح اليأس والإحباط في أوساط الشعوب الحرة، يسعى الموساد عبر "جيوش إلكترونية" منظمة ومنتحلي شخصيات على منصات التواصل إلى تحسين صورته الذهنية المشوهة، بادعاء وجود "تعايش تاريخي" مزيف أو نشر مقاطع فيديو تظهر رفاهية العيش داخل الكيان لإغراء الشباب العربي والفلسطيني بالهجرة أو التعاون وتهدف هذه الحملات الممنهجة في جوهرها إلى كسر إرادة المقاومة الصلبة وتطبيع فكرة وجود الكيان كجزء طبيعي وأصيل من نسيج المنطقة، ومع ذلك يظل الوعي بالمنهج القرآني والبصيرة الإيمانية هي الصخرة الصماء التي تتحطم عليها كل هذه الأمواج الدعائية المتلاطمة، حيث يكشف القرآن الكريم حقيقة الوهن والجبن الكامن خلف هذا البريق التقني المزيف، ويؤكد أن هذه الشبكات السرية ليست سوى محاولات بائسة لترميم كيان يدرك في قرارة نفسه أنه يعيش سنواته الأخيرة قبل الزوال.
هذه اليقظة اليمانية المتصاعدة والتحصين الداخلي الممنهج لم يمرّا دون أن يُحدثا إرباكاً شديداً في دوائر القرار الاستعماري، إذ لم يكن غريباً ولا مفاجئاً أن تخرج الدبلوماسية الأمريكية عن وقارها المزعوم لتمارس دور "المحامي الفاشل" عن أدوات التجسس الصهيونية، فقد رصد المتابعون انزعاجاً أمريكياً بالغاً وصل حد الهستيريا من تنامي الوعي الشعبي اليمني الذي تجسد مؤخراً في الحملة الواسعة والمؤثرة تحت وسم "#أوبه"، هذه الحملة التي انطلقت كصرخة تحذير وطنية نابعة من عمق المجتمع، أربكت حسابات واشنطن و"تل أبيب" معاً، مما دفع السفارة الأمريكية لدى اليمن (القابعة في المنفى) إلى المسارعة عبر منصاتها لتشويه هذه "المناعة الأمنية المجتمعية" بتغريدات هابطة تفتقر لأدنى معايير الدبلوماسية، واصفةً إياها بأوصاف تضليلية تهدف بالدرجة الأولى إلى حماية شبكاتها الاستخباراتية التجسسية من الانكشاف الشعبي المذل، إن هذا الاستنفار الأمريكي العلني يؤكد حقيقة واحدة لا تقبل التأويل، وهي أن "الموساد الإسرائيلي" ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) يعملان كجسد واحد وبغرفة عمليات مشتركة لاستهداف المجتمعات المقاومة، وأن نجاح اليمنيين في كشف أساليب التجنيد يمثل ضربة قاصمة لاستثماراتهم الاستخباراتية التي دامت عقوداً من الزمن، لقد أصبحت تلك التغريدات الأمريكية البائسة دليلاً دامغاً على صوابية التحرك الشعبي، وبرهاناً ساطعاً على أن "البيت الأبيض" هو المايسترو الفعلي والقائد الأعلى لعمليات الاختراق التي تستهدف تمزيق النسيج الاجتماعي والسياسي لليمن الصامد.
ورغم كل ما يبدو عليه الكيان الصهيوني من جبروت تقني وتفوق عسكري زائف، إلا أن التدقيق العميق في بنيته الداخلية الهشة يكشف عن تمزقات وتصدعات بنيوية تجعله بحق "أوهن من بيت العنكبوت" عند أول مواجهة حقيقية وصادقة مع إرادة الشعوب الحرة.
تتجلى نقاط الضعف القاتلة لدى هذا الكيان في اعتماده الكلي والوجودي على الرعاية الخارجية المطلقة، وتحديداً الحماية الأمريكية والغربية، حيث أثبتت ملحمة "طوفان الأقصى" الخالدة وما تلاها من عمليات الإسناد اليمنية واللبنانية، عدم قدرة هذا الكيان على المواجهة المنفردة أو الصمود لأيام معدودة دون جسر جوي وبحري من الدعم العسكري والسياسي والمالي اللامحدود، يضاف إلى ذلك ما يعانيه المجتمع الاستيطاني الصهيوني من تمزقات داخلية وانقسامات سياسية ودينية حادة، وتفرقة عنصرية متجذرة بين مكوناته القادمة من شتات الأرض، مما يجعل اختراقه من الداخل وتفكيك جبهته الداخلية أمراً ممكناً جداً لمن يمتلك الوعي والبصيرة وسلاح الموقف. وتبرز ظاهرة "الهجرة العكسية" المتصاعدة لآلاف المستوطنين كأحد أخطر التهديدات الوجودية، إذ يفر هؤلاء الصهاينة مع أول شعور حقيقي بالخطر، مما يثبت للعالم أجمع عدم ارتباطهم الوجداني أو التاريخي بهذه الأرض المقدسة التي اغتصبوها بقوة السلاح.
وفي المقابل، يبرز اليمن العظيم اليوم كقوة إقليمية استثنائية وطرف فاعل في هذه المواجهة التاريخية الكبرى، متسلحاً بمشروع قرآني يتجاوز بآفاقه كل أساليب الاختراق والاحتواء التي يمارسها الموساد وأدواته، لقد استطاع اليمن بفضل قيادته الشجاعة والحكيمة وعظمة شعبه الوفي، أن يحول كل التهديدات والمؤامرات إلى فرص للتمكين والبناء، فالمحاولات الصهيونية الخبيثة للتواجد العسكري في الجزر اليمنية الاستراتيجية مثل سقطرى وميون، أو محاولات السيطرة على مضيق باب المندب عبر القواعد العسكرية في القرن الأفريقي، لم تزد الشعب اليمني إلا إيماناً وثباتاً بحتمية المواجهة المباشرة مع العدو الأصيل، ويقدم النموذج اليمني اليوم للعالم أجمع برهاناً عملياً ساطعاً على أن "الحصانة الإيمانية" والارتباط الوثيق بالله وبمنهجه هما السد المنيع والأخير أمام كل محاولات التجنيد والاختراق، وأن الوعي الشعبي الشامل بكل أساليب العدو من استغلال الأزمات الإنسانية إلى حروب التجسس الإلكتروني هو الخط الدفاعي الأول والضمانة الحقيقية لحماية السيادة الوطنية وكرامة الإنسان اليمني.
إن المعركة الوجودية والمقدسة التي يخوضها اليمنيون اليوم ضد العدو الصهيوني الغاشم ليست مجرد حرب حدود أو صراع نفوذ سياسي، بل هي معركة دفاع مصيرية عن الأمة العربية والإسلامية بأكملها، لأن هذا العدو الشيطاني لا يستهدف ساحة أو جبهة بمفردها، بل يستهدف ضرب قيم وكرامة الأمة ومحو مستقبل أجيالها القادمة، وبينما تتساقط الأنظمة العربية المطبعة تباعاً في فخاخ "الموساد" وتفتح عواصمها على مصراعيها للاختراق الأمني والثقافي والفكري، يقف يمن الحادي والعشرين من سبتمبر شامخاً كالجبل الأشم، معرياً نقاط ضعف العدو ومثبتاً للعالم أن صفات الجبن والبخل والحرص الشديد على الحياة الدنيا هي الصفات اللصيقة والمتجذرة في نفسية الصهاينة، وهي ذاتها التي ستعجل بهزيمتهم النكراء ومحو كيانهم من خارطة الوجود، أما الوعي المجتمعي اليمني المتنامي المقترن بالقدرات العسكرية النوعية والارتباط الوثيق بالنهج القرآني، فهو الكفيل بتمزيق كل شباك التجسس الصهيونية وتطهير تراب الوطن من دنس أدوات المرتزقة، لتمضي المسيرة القرآنية نحو هدفها الأسمى والنهائي بتطهير المقدسات الإسلامية وإنهاء الوجود الصهيوني السرطاني في المنطقة إلى الأبد، "ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريباً".

أترك تعليقاً

التعليقات