فؤاد أبو راس

فؤاد أبو راس / لا ميديا -
ثلاثمائة مليون دولار مهددة بالتجميد، في بلد تتسع فيه رقعة الفقر، وتتراجع فيه فرص العمل، وتنهار فيه الخدمات. خلف هذا الرقم تقف مشروعات مياه وطرق ومدارس ومراكز صحية وأجور عمال وعقود مقاولين ومشتريات موردين وآلاف الأسر التي تنتظر فرص عمل أو خدمات تحفظ لها الحد الأدنى من الحياة...
بهذه الصورة ينبغي فهم المعركة الدائرة حول الصندوق الاجتماعي للتنمية. فالقضية تمس واحداً من أهم مصادر التمويل والتنمية والدخل في اليمن.
أعلنت إدارة الصندوق، في بيان صادر في الخامس من أغسطس 2026، أن التدخلات الحكومية الصادرة من عدن أدت إلى تعليق البرامج الإنسانية والتنموية، وتجميد أكثر من ثلاثمائة مليون دولار من المنح. وهذا الرقم يكشف حجم الخطر، لأن الأموال التي تمر عبر الصندوق تتحول إلى مشروعات وفرص عمل وخدمات داخل الاقتصاد المحلي.
على مدى ثلاثة عقود، بنى الصندوق شبكة من الخبرات والأنظمة والكوادر والفروع. واستطاع خلال سنوات الحرب تنفيذ برامج في المياه والصرف الصحي والتعليم والصحة والطرق والحماية الاجتماعية، والوصول إلى مناطق واسعة رغم الانقسام.
كل مشروع ينفذه الصندوق يخلق دورة اقتصادية متكاملة. يعمل المهندس والفني والعامل، ويتعاقد المقاول، ويبيع المورد مواده، وتتحرك وسائل النقل، وتنشط الأسواق... وعند توقف المشروع، تتوقف معه الأجور والعقود والمشتريات والخدمات، وتتسع دائرة الضرر لتصل إلى أسر ومجتمعات كاملة.
من هنا تظهر الطبيعة السياسية للقرار. نقل المركز الرئيسي، أو إنشاء إدارة موازية، أو فصل الفروع عن بنيتها المركزية، يفتح الباب أمام انقسام المؤسسة، وصراع التوقيعات والحسابات والموظفين، وتردد الجهات الممولة، وتعليق البرامج، وفقدان الثقة.
النتيجة العملية تتجه نحو تجفيف أحد أهم مصادر الدخل المتاحة للمجتمع اليمني. وهذه النتيجة تتقاطع مع سلسلة طويلة من الإجراءات: قيود على الموانئ والمطارات، وارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل، وضغوط على القطاع المصرفي، وتعقيد للحوالات، وتراجع للتمويلات الإنسانية والتنموية.
حوالات المغتربين تمثل شريان حياة لملايين الأسر. وكل قيد مصرفي يرفع الكلفة، ويؤخر وصول الأموال، ويخفض القيمة التي تصل إلى الأسرة. كما يأتي تراجع التمويلات وتعليق البرامج في وقت تتسع فيه البطالة، وتتآكل الرواتب، وترتفع الأسعار، وتضعف قدرة المواطن الشرائية.
واليوم تصل الضغوط إلى الصندوق الاجتماعي للتنمية، المؤسسة التي ظلت تستقطب التمويلات وتعيد ضخها داخل الاقتصاد عبر المشروعات والأجور والخدمات. استهداف هذه المؤسسة يغلق منفذاً جديداً من منافذ الدخل، ويضيف حلقة أخرى إلى سلسلة الخنق الاقتصادي.
المشهد الكامل يرسم مساراً واضحاً: التضييق على المنافذ، والضغط على البنوك، وتعقيد الحوالات، وتراجع التمويلات، ثم استهداف المؤسسات الوطنية القادرة على جذب الأموال وتشغيل الناس. جميع هذه المسارات تلتقي عند المواطن، وتتحول في حياته إلى بطالة وغلاء وفقر وحرمان.
الانهيار الاقتصادي يتشكل عبر هذا التراكم. يُقيد ميناء فتزداد كلفة السلع، ويُضغط على بنك فتتعقد التجارة والتحويلات، وتُجمد منحة فتتوقف المشروعات، وتُستهدف مؤسسة تنموية فتختفي فرص العمل والخدمات... كل حلقة تدفع المجتمع نحو مزيد من الإنهاك.
السيطرة على الصندوق تمنح نفوذاً على التمويلات والبرامج والفروع والموظفين، بينما يؤدي الصراع عليه إلى تعطيل وظيفته وإفقاده ثقة شركائه. وتحت عنوان نقل المقر أو إعادة تشكيل الإدارة، يجري دفع المؤسسة نحو مواجهة تهدد وحدتها وسمعتها واستمرارها.
حماية الصندوق تتطلب الحفاظ على وحدته المؤسسية، واستمرار أنظمته المالية والإدارية، وتحييده عن التجاذبات السياسية، وضمان توزيع المشروعات وفق معايير الفقر والاحتياج والكثافة السكانية، وإبقاء القرار الفني في يد الكفاءات.
قضية الصندوق تتصل مباشرة بحق المواطن اليمني في العمل والمياه والتعليم والصحة والحياة الكريمة. فهذه المؤسسة تمثل فرصة عمل لعامل، ومشروع مياه لقرية، وطريقاً لمجتمع معزول، ومدرسة لأطفال، ودخلاً لمقاول، وحركة لسوق محلية، وأملاً لأسرة أنهكها الفقر.
وحين توضع قضية الصندوق إلى جانب القيود على المنافذ والبنوك والحوالات والتمويلات، تتضح الصورة: الشعب اليمني يواجه حرباً على مصادر دخله وأدوات صموده، ويُدفع تدريجياً نحو انهيار اقتصادي شامل.
تجميد ثلاثمائة مليون دولار يعني تجميد حياة آلاف الأسر والمجتمعات، وإضافة فصل جديد إلى سياسة خنق اليمنيين عبر إغلاق منافذ الدخل واحداً بعد آخر. وهذه هي حقيقة المعركة: الصراع يدور على قدرة اليمني على البقاء، وعلى ما تبقى له من عمل ودخل وخدمة وأمل.

أترك تعليقاً

التعليقات