طهران تضع النقاط على الحروف
- فهد شاكر أبو راس الثلاثاء , 3 مـارس , 2026 الساعة 2:22:36 AM
- 0 تعليقات

فهد شاكر أبوراس / لا ميديا -
في خضم التصعيد غير المسبوق في المنطقة، تتكشف ملامح مشهد استراتيجي تبرهن فيه طهران أنها تتحرك وفق حسابات دقيقة، ولا تُفاجأ بردود الفعل الإقليمية بقدر ما تضعها في سياقها الطبيعي كجزء من معادلة ردع محسوبة.
الهجوم الإيراني الذي استهدف قواعد عسكرية أمريكية في عدة دول عربية وغير عربية، جاء رداً حتمياً على العدوان (الأمريكي - «الإسرائيلي») المشترك، والذي طال العاصمة طهران ومحافظات إيرانية، مخلفاً مئات الشهداء والجرحى.
وفي هذا السياق فإن البيانات العربية والخليجية المستنكرة كانت مفهومة ومتوقعة مسبقاً بالنسبة لصناع القرار في طهران، بل إنها تدخل في إطار الحسابات السياسية التي أخذتها إيران بعين الاعتبار. لقد سبق للجمهورية الإسلامية أن أبلغت جيرانها مسبقاً بنواياها، مؤكدة أن أي استهداف سينحصر في المواقع العسكرية الأمريكية ولن يتعدى إلى الدول المضيفة. غير أن بعض الأنظمة الخليجية آثرت الانخراط في ازدواجية المعايير، إذ صمتت عن العدوان (الأمريكي - «الإسرائيلي») على إيران، ثم بادرت إلى الإدانة عندما مارست طهران حقها في الدفاع عن النفس بموجب المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.
حتى أن الدبلوماسية الإيرانية كانت سباقة إلى توضيح الصورة عبر اتصالات أجراها وزير الخارجية مع نظرائه في الدول الخليجية، إذ أبلغهم بشكل صريح أن العمليات العسكرية ستقتصر على المواقع العسكرية الأمريكية في المنطقة.
وهذا الإيضاح المسبق يجرد البيانات الخليجية المستنكرة من محتواها الأخلاقي، فكيف لدول تستضيف قواعد عسكرية أمريكية استخدمت في شن حرب عدوانية على دولة جارة أن تدّعي المفاجأة عندما تمتد النيران إلى تلك القواعد؟!
لقد أصابت الصواريخ الإيرانية مقر الأسطول الخامس في البحرين، وقاعدة العديّد في قطر، والظفرة في الإمارات، وعلي السالم في الكويت، وهي منصات انطلاق استخدمت في العدوان على إيران.
إنها معادلة واضحة: أي قاعدة تدعم العدوان على إيران ستكون هدفاً مشروعاً. ومن السخرية أن نرى بعض الدول الخليجية تندد بانتهاك السيادة، بينما أراضيها كانت منصة انطلاق لصواريخ قتلت الإيرانيين، أو أن نسمع بيانات تستنكر استهداف الأراضي العربية في الوقت الذي تغض فيه الطرف عن جرائم الاحتلال «الإسرائيلي» بحق الفلسطينيين.
لقد كانت الإدانة العربية للهجوم الإيراني سريعة وحادة، بل وبلغت التلويح بحق الرد. في المقابل قوبل العدوان (الأمريكي - «الإسرائيلي») على إيران بصمت مطبق أو بمواقف تدعو لضبط النفس دون إدانة المعتدي.
وهذا الانتقاء يكشف أن هذه البيانات لا تعبر عن قناعة راسخة بقدر ما تعكس ضغوطاً أمريكية. فطهران، التي تدرك عمق الاختراق الأمريكي للمؤسسات الخليجية، لا تأخذ هذه البيانات على محمل الجد أكثر من كونها إجراءً شكلياً لتطييب خاطر واشنطن.
إن إيران، التي تتعرض لعدوان، من حقها أن ترد بكل قوة لتحقيق الردع.
رسالة طهران واضحة: نحن نعرف من يستهدفنا وأين يتحصن، ونستطيع الوصول إلى عمق القواعد الأمريكية.
صحيح أن شظايا الصواريخ تسببت بأضرار جانبية في بعض الدول الخليجية، وهو ما أعربت إيران عن أسفها له؛ لكن المسؤولية تقع على الدول التي سمحت بأن تكون أراضيها منصة انطلاق للعدوان على إيران. فمن يستضيف قوات معتدية على جيرانه يتحمل التبعات.
وفي المحصلة، تقدم إيران رواية متكاملة: نحن ضحية عدوان غاشم، ومارسنا حقنا في الدفاع عن النفس بضرب القواعد التي انطلق منها العدوان، وأبلغنا جيراننا مسبقاً، والبيانات العربية المستنكرة مفهومة في سياقها ولا تؤثر في عزمنا على حماية بلادنا.
ولذلك تبقى المنطقة أمام خيارين: إما تصعيد خطير تتحمل واشنطن مسؤوليته، وإما العودة للحوار حيث كان التقدم حاصلاً.
فإيران التي أثبتت قدرتها على الرد هي نفسها التي تمد يدها للدبلوماسية، شرط الاحترام المتبادل وعدم انتهاك السيادة.










المصدر فهد شاكر أبو راس
زيارة جميع مقالات: فهد شاكر أبو راس