عبد الحافظ معجب

عبدالحافـظ معـجب / لا ميديا -
يسألك أحدهم بلهجة يمنية عتيقة عبر "الماسنجر" أو "الشات" عن تفاصيل قرية قديمة أو بيت مهجور في المنطقة الريفية التي تسكنها، فتجيبه بدافع الشهامة والنوستالجيا، دون أن تدرك أنك وضعت قدمك للتو على أول درجة في سلم "التطبيع الناعم"، المعلومات التي تبدو عفوية هي في حقيقتها مادة خام تُستخدم لبناء خرائط بشرية واجتماعية تتيح للعدو فهم طبوغرافية المجتمع من الداخل وتحديد ثغراته بدقة.
وهنا حجر الزاوية في معركة الوعي الرقمي الجبهة الأكثر شراسة واتساعاً في تاريخ الصراع الوجودي مع الكيان الصهيوني، حيث يسعى العدو عبر استراتيجيات بالغة التعقيد إلى تجاوز الجدران العسكرية والسياسية الصلبة وصولاً إلى تدمير القناعات بداخلنا، لنجد أنفسنا أمام موجة عاتية تسمى "التطبيع الناعم"، وسيلة تعتمد فكرتها على الاختراق الهادئ الذي يتسلل عبر مسارات الحياة اليومية والاهتمامات الثقافية والفنية والعاطفية، بعيداً عن الانكشاف الأمني أو لغة التجنيد المباشرة، يجد المستخدم نفسه في حالة استجابة تدريجية لمشغله بدون شعور.
تعتمد هذه المنهجية على استهداف الذاكرة الجماعية وإعادة صياغة وتعريف العداء الفطري تجاه المحتل الصهيوني إلى حالة من القبول الصامت والمبرر بدعاوى الإنسانية والثقافة المشتركة، تبرز الخطورة الحقيقية لهذا المسار في كونه يعمل ببطء شديد، مركّزاً جهده على المدى الطويل لتغيير طبيعة العلاقة مع العدو من صراع وجودي ومصيري نابع من عمق ديننا وهويتنا الإيمانية إلى مجرد خلاف سياسي يمكن تجاوزه أو حتى تناسيه في سبيل التواصل الاجتماعي الإنساني.
تشير المعطيات الأمنية والواقعية المرتبطة بمواقف المجتمع اليمني الصامد والثابت تجاه القضية الفلسطينية إلى أن العدو وضع اليمن ضمن أولويات استهدافه الاستخباراتي الناعم، خاصة بعد الفشل الذريع لكل وسائل الضغط العسكري والحصار الاقتصادي، لذا تحركت أدوات المخابرات الصهيونية لفتح جبهات اجتماعية وثقافية تتستر خلف عناوين براقة وأنشطة تبدو في ظاهرها محايدة ومجردة من أي بعد سياسي، تستغل التراث اليمني العريق والفن الشعبي وتنوع اللهجات المحلية، وحتى الموروث الشعبي المشترك لتقديمها كجسور تواصل يُفترض بها السمو فوق الصراع التاريخي والسياسي، ويسعى هذا الخطاب الخبيث إلى أن ينسى اليمني موقفه ويفصله عن سلوكه اليومي، بحيث يصبح من الممكن بالنسبة له الإعجاب بمحتوى يروجه العدو أو التفاعل مع شخصيات تمثل خطابه المعادي تحت مسمى الحنين للماضي أو التبادل الثقافي.
تتضاعف احتمالات نجاح هذا التسلل في ظل الظروف القاسية التي خلفها العدوان والحصار المستمر منذ ما يزيد عن عقد من الزمن وما نتج عنها من ضغوط نفسية واقتصادية هائلة جعلت البعض يبحث عن مساحات من الدفء أو الانتماء خارج إطار الواقع المتعب، يستغل "التطبيع الناعم" هذه الحالة الإنسانية الصعبة ليدغدغ العواطف ويقدم نفسه كبديل يمنح الشعور بالراحة والقبول، مستخدماً لغة ناعمة تبتعد عن التصادم وتدعو بدلاً من ذلك إلى تجاوز الكراهية والتركيز على المشتركات، تحول جديد في وظيفة الثقافة يسعى العدو من خلاله لانتزاعها من سياقها كحامية للهوية ورافعة للموقف الوطني، لتصبح أداة تشرعن وجوده وتعيد تعريف العلاقة معه ضمن عناوين تدعو للتعايش معه بعيداً عن سجله الإجرامي وتاريخه الدموي.
يستثمر العدو كل طاقته في التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية، تلك التي لا تثير الريبة عادة ولا تستدعي رفع الحواجز النفسية الدفاعية، فبدلاً من طرح خطاب سياسي فج سيواجه بالرفض الفوري يركز جهده على المشاهد المألوفة والأحاديث العاطفية والقصص الإنسانية المؤثرة التي توحي بالقرب والصدق، ومع مرور الوقت وتكرار هذه الرسائل المبطنة عبر منصات التواصل، يتحول هذا المحتوى إلى مناخ عام يضعف الحساسية الشعبية تجاه العدو ويعيد رسم ملامح العلاقة معه في عقول الشباب بطريقة تجعل من قضيته شأناً ثانوياً أو تاريخياً لا علاقة له بالحاضر، يخلق هذا الأثر التراكمي نوعاً من التناقض الداخلي لدى الفرد، فهو من جهة يتمسك بموقفه الديني والوطني المعلن ومن جهة أخرى يمارس سلوكيات يومية تتناغم مع خطاب العدو الناعم، ولحل هذا الصراع النفسي يميل الشخص تدريجياً إلى تخفيف حدة معاداته أو تبرير تواصله الإلكتروني والثقافي كنوع من الانفتاح على العالم.
يلعب التطور التكنولوجي في الفضاء الرقمي دوراً ذكياً في تسريع هذا المسار التخريبي، لأنه يمنح الأفراد شعوراً زائفاً بالخصوصية بعيداً عن الرقابة الرسمية أو الالتزام الجمعي بالموقف العام وفي هذه المساحات المفتوحة تتآكل الحدود الفاصلة بين الموقف الفردي والموقف الوطني الجامع، حتى يصبح الصراع مجرد فكرة مفرغة من قيمتها لا تنعكس بالضرورة على السلوك الشخصي أو الاهتمامات في العالم الافتراضي، وهنا تكمن الخطورة الكبرى، فـ"التطبيع الاجتماعي الناعم" يتجاوز في فتكه وتدميره كل أنواع "التطبيع السياسي" العلني، لأن الأخير يظل فعلاً مكشوفاً ومنبوذاً ومحل إجماع على رفضه، بينما يعمل النوع الناعم في عتمة الوعي ويستهدف البنية العميقة للسلوك الفردي دون إثارة أي ردود فعل دفاعية فورية، هو لا يطلب منك الانضمام إلى معسكره علانية، مكتفياً بأن يجعلك تنسى حقيقته الإجرامية التي تسعى لإلغاء وجودك وأهدافه التوسعية الخبيثة، لتصبح القضية في نظرك عبارة عن ملف هامشي مؤجل لا يستدعي الاهتمام المباشر.
تعتمد أدوات هذا الاختراق على التسلل داخل العلاقات الفردية والمساحات الشخصية التي تغيب عنها عادة الرقابة الصارمة أو النقاش العلني، بدءاً من المتابعة البسيطة وصولاً إلى الإعجاب والمشاركة ثم التواصل المباشر الذي قد ينتهي بالسقوط في فخ التجنيد الاستخباراتي الصريح، وبذلك يصبح الفرد شريكاً في عملية تدمير ذاتي لوعيه وهويته دون أن يدرك حجم الضرر الذي يلحقه بنفسه وبمجتمعه، ظناً منه أن سلوكه في العالم الافتراضي مجرد حرية شخصية لا تحمل أي دلالة سياسية أو أمنية.
يتطلب الواقع الراهن امتلاك بصيرة نافذة قادرة على قراءة ما وراء النصوص والصور والمقاطع الفنية التي تروج لها منصات مشبوهة، كما أن الحفاظ على الأمن الثقافي والاجتماعي يبدأ من حماية العاطفة الوطنية من التزييف ومنع العدو من استغلال تراثنا وفننا كأدوات لتلميع صورته القبيحة، نحن معنيون اليوم بتعزيز المناعة الذاتية لكل فرد في المجتمع وتوضيح أن كل تفاعل رقمي أو إعجاب بمحتوى يروج لثقافة العدو يمثل ثغرة في جدار الأمن القومي الكلي، لأن المعركة مستمرة والعدو الذي فشل في كسر إرادة اليمنيين عبر القصف والحصار، يحاول اليوم كسر انتمائهم وعقيدتهم القتالية عبر الكلمة الناعمة واللحن اليهودي القديم الجميل والصور الجذابة ليوميات يهود اليمن في "تل أبيب"، مع العلم ان استحضار هذا اللحن هو محاولة ممنهجة لسرقة الموروث اليمني ونسبه لكيان العدو، في عملية سطو ثقافي تسعى إلى مسخ الذاكرة الوطنية وتقديم المحتل كجزء من تاريخ المنطقة، ما يستدعي يقظة عالية تفكك هذه الأنماط قبل أن تتحول إلى واقع يصعب تغييره في المستقبل القريب، هويتنا خط دفاعنا الأول والحفاظ عليها نقيّة من شوائب "التطبيع" سر من أسرار صمودنا وانتصارنا الحتمي في معركتنا المصيرية التي نخوضها خلف قيادتنا نحو الفتح الموعود.

أترك تعليقاً

التعليقات