سامي عطا

سامي عطا / لا ميديا -
في دهشة التحول
كم هو مدهش أن نرى عقلًا نيرًا، حظي بنصيب وافر من التعليم والثقافة، يقف في صف من يفتك ببلاده، يدافع عن جلادها وكأنه ضحية، ويُحمّل الضحية الحقيقية وزر ما اقترفه الجلاد. ليست هذه مجرد قراءة خاطئة للحاضر، بل هي تجنٍ على المستقبل ذاته. إنها ظاهرة تستحق وقفة متأملة، نغوص فيها بأدوات الفلسفة والنقد، مستعينين بأقوال كبار المفكرين، لنفكك طبيعة هذا «الارتهان الفكري» الذي يجعل المثقف أسيرًا لسرديات تخلط السبب بالنتيجة، والضحية بالجلاد.

أولاً: لعبة المرايا المقلوبة -السبب والنتيجة
يكمن جوهر المأساة في فقدان معيار واضح ومنصف يميز بين السبب والنتيجة. حين تغدو «شرعية الارتهان» سببًا في مآسي اليمن، ثم تُقدّم في الخطاب الإعلامي وكأنها ضحية، نكون أمام خلل معرفي خطير. هذا الخلل يذكرنا بمقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه: «من لديه سبب يعيش من أجله، يستطيع تحمّل معظم ما يواجهه». لكن السؤال هنا: أي سبب؟ هل هو سبب وطني يبحث عن خلاص اليمن، أم سبب آني يبحث عن شرعية وهمية؟
المفكر والمثقف، بحكم أدواته النقدية، يفترض فيه أن يكون أكثر قدرة على تمييز هذه الخيوط الدقيقة. لكن حين تؤثر فيه «سرديات التأثيم الإعلامية»، يتحول إلى مجرد صدى لتلك السرديات، فيفقد قدرته على التحليل الموضوعي. وهنا تتجلى مقولة عالم الاجتماع العراقي علي الوردي: «الحيوان يأكلك ولا يبالي، أما الإنسان فإنه يأكلك ويدّعي أنه أكلك في سبيل الله أو سبيل الحق والحقيقة». فالمثقف الذي يبرر هذا الخلط، إنما يمارس نوعًا من «الأكل» المعنوي لوطنه، متلفعاً بعباءة الحق والشرعية.

ثانياً: الضحية والجلاد.. متى يتحول المظلوم إلى ظالم؟
التحول بين دور الضحية والجلاد ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج تراكمات وارتهانات. يقول المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي: «من يتشدقون بالحياد، هُم غالباً أكثر الناس تعاوناً مع الأقوى». فالمثقف الذي يدّعي الحياد في صراع يمني معقد، أو الذي يختار الاصطفاف مع «شرعية الارتهان» بحجة أنها الضحية، إنما يكون، في الواقع، أكثر تعاوناً مع «الأقوى»، أي مع القوى الخارجية والداخلية التي تغذي هذا الارتهان.
وتأخذ هذه القضية بُعدًا نفسيًا أعمق حين نتذكر مفهوم «عقدة ستوكهولم» في السياق السياسي، حيث تتعاطف الضحية مع النظام القمعي، مدفوعة بالخوف من الفوضى والتبعية. إنها لحظة يتحول فيها المثقف، الذي يفترض فيه أن يكون صوت الحق، إلى أسير للخطاب الذي يمارس ضده، مدافعًا عنه وكأنه خلاص.

ثالثاً: المثقف بين الارتهان والمسؤولية
الغرابة تكمن في أن المثقفين وأصحاب الشهادات العليا ليسوا بمنأى عن هذا الخلل. بل قد يكون سقوطهم أشد وطأة، لأن ثقل شهاداتهم يمنح خطابهم شرعية زائفة. هنا نتذكر المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي الذي قال: «إن المثقف يموت حينما يتخلى عن قضايا مجتمعه وعصره، لينغمس كلياً في ممارسة الحياة». والمثقف الذي يختار الوقوف مع «عصابة حكم 7/7»، إنما يتخلى عن قضايا مجتمعه الحقيقية، ويهوي إلى ممارسة دور «موظف السلطة» بدلًا من كونه «مثقفاً عضوياً» ناقداً.
ويذهب إدوارد سعيد إلى أبعد من ذلك، إذ يرى أن وظيفة المثقف ليست تبرير السلطة أو الدفاع عن مصالحها، وإنما ممارسة النقد الحر والدفاع عن الحقيقة والعدالة. ويؤكد في كتابه «المثقف والسلطة» أن المثقف، حتى لو كان ممثلاً لمعاناة شعبه، «لا يعفيه من واجبه في أن يكشف للناس أن أبناء شعبه ربما كانوا يرتكبون الآن جرائم». وهذا هو جوهر الفشل الأخلاقي والمعرفي لمن يدعمون شرعية الارتهان، إنهم يتغاضون عن الجرائم المرتكبة باسمهم، ويكتفون بلوم الخصوم فقط.

رابعاً: الاستعمار من الداخل.. «الاستحمار» بعيون شريعتي
ربما يكون المفكر الإيراني علي شريعتي الأكثر تعبيراً عن هذه الظاهرة بمقولته الشهيرة: «لا فرق بين الاستعمار والاستحمار سوى أن الأول يأتي من الخارج والثاني يأتي من الداخل». فـ»شرعية الارتهان» ليست مجرد تبعية للخارج، بل هي أيضًا «استحمار» من الداخل، يتمثل في نخب وسياسيين ومثقفين يتبنون خطابًا يخدم مصالح القوى الخارجية على حساب وطنهم.
وهذا «الاستحمار» هو ما يجعل المثقف اليمني، الذي يفترض فيه أن يكون «لسان مجتمعه وقلبه النابض»، يتحول إلى أداة لتبرير سياساتٍ هي في صميمها سبب الكارثة. إنه استسلام للخطاب السائد، وهروب من مسؤولية النقد، وهو ما يصفه ميشيل فوكو بدقة حين يربط بين الحقيقة والسلطة، مؤكداً أن «الحقيقة ليست خارج السلطة، ولا هي دون سلطة». فالحقيقة التي يتبناها هؤلاء المثقفون هي حقيقة أنتجتها سلطة الارتهان، وليست حقيقة نابعة من وعي نقدي مستقل.

خاتمة: استعادة دور المثقف
إذا كان وضع اليمن كارثياً، فإن «شرعية الارتهان» من يتحمّل وزر كوارثه ومآسيه، وأمام هذه المعضلة يبرز سؤال: كيف يمكن للمثقف أن يستعيد دوره كصوت للحقيقة بعيداً عن خطابات التبرير والارتهان؟
الجواب يكمن في استعادة «الحس النقدي» الذي يتحدث عنه إدوارد سعيد، أي «قدرة المثقف على النقد وانتقاد السائد اجتماعياً وسياسياً، وعدم تقبله للصيغ الجاهزة» أو سرديات الإعلام الزائفة. إنها دعوة لأن يكون المثقف جسرًا بين الحقيقة والجمهور، لا صدى للسلطة. وكما قال غرامشي، المثقف يموت حين يتخلى عن قضايا مجتمعه. وحين يموت المثقفون، تموت معهم إمكانية القراءة الموضوعية للحاضر، ويصبح المستقبل رهينة لخطابات مشوشة تخلط بين الجلاد والضحية.
في النهاية، تبقى كلمات نيتشه نبراسًا: «لا يمكن لأحد أن يبني لك الجسر الذي تعبر منه لتغيّر مجرى حياتك، لا أحد يمكنه ذلك سواك أنت». والمثقف اليمني، وغيره من المثقفين العرب، مدعو اليوم لبناء جسره الخاص، جسر النقد والوعي، بعيداً عن ارتهانات السلطة وسردياتها، ليكون كما أراده الفلاسفة: صوتًا للحقيقة، لا صدى للوهم.

أترك تعليقاً

التعليقات