قراءة في انقسام المشروع العربي وتفكك معادلات المواجهة
- فهد شاكر أبو راس الثلاثاء , 30 يـونـيـو , 2026 الساعة 8:23:55 PM
- 0 تعليقات

فهد شاكر أبوراس / لا ميديا -
في لعبة نكث العهود والانقلاب الممنهج على تفاهمات الدبلوماسية، ثمة خيط رفيع ينتظم من «سيريك» الإيرانية التي سطرت بالصواريخ والمسيّرات معادلة الردع الجديدة، إلى «النبطية» اللبنانية، والتي شهدت مشاهد الاحتفاء المريب بتوقيع وثائق التسليم. إلا أن الفارق الجوهري بين هاتين المحطتين لا يكمن فقط في الجغرافيا، بل في عمق الإدراك الاستراتيجي ومعنى السيادة.
فبينما ردت سلطة طهران على الغطرسة الأمريكية بالنار، محولة التهديد إلى فرصة لترسيخ معادلة الردع المباشر، وأكدت للعالم أن زمن الضربات المجانية قد ولى، وأن الرد واجب سيادي لا يقبل المساومة ولا ينتظر الإذن من أحد، تحتفي سلطة بيروت بتوقيعها المتعجل على مصفوفة تنازلات تمنح العدو الصهيوني حرية الحركة والتموضع في قلب الجنوب اللبناني، وتفتح الأجواء والحدود أمام مسيّراته وجنوده، لتتحول بذلك فكرة حماية السيادة إلى مجرد حبر على ورق، في اتفاق يشرعن الاحتلال تحت تسميات المراقبة والتنسيق.
إن هذه الهرولة المكشوفة نحو التسليم لم تُخرج الدولة اللبنانية من دائرة الصراع الحتمي مع العدو التاريخي لكل العرب، ولم تشترِ لها أمناً ولا استقراراً، فالعدو الصهيوني حين يجد جبهة مفتوحة وخصماً يستجدي السلام لا يتوقف، والصراع معه ليس صراع حدود ولا تفاهمات مرحلية، بل صراع وجود، والسلطة اللبنانية بعمقها السياسي الراهن لم تكن يوماً في خندق المقاومة الحقيقي، ولم تقترب من مفهومها الصادم للمشروع الصهيوني، بل ظلت كياناً متربصاً يرى في سلاح التحرير عبئاً على توازنات الطوائف ومصالح الفئات الحاكمة، وليس سياجاً وجودياً يحمي ما تبقى من الجسد المنهك من التقطيع والتفتيت.
إن ما يسمى «الاتفاق الإطاري» لم يبرم في حقيقته إلا لإيذاء الشعب اللبناني وتوجيه بندقية الخيانة إلى ظهر المقاومة، وهو ما يدركه مجرم الحرب الصهيوني تمام الإدراك ويعيه قادة أركانه الذين خبروا دهاليز لبنان منذ الغزو الأول لكنه رغم هذه المعرفة العميقة بطبيعة أدواته يرى في طابور «عون - سلام» هدية استراتيجية نادرة لن تتكرر في التاريخ؛ إذ يمكن أن يقاتل بهم حزب الله من الداخل كما قاتل حماس من قبل بالعصابات العميلة التي زرعها في غزة والضفة وألبسها ثوب الوطن المقاوم، فالتجربة الأمنية الطويلة أثبتت أن حرب العدو لا تكون فقط بالحديد والنار والطائرات المسيّرة، بل بصناعة الخنجر من لحم الجسد الوطني ذاته، وتحويل الساحة الداخلية إلى ميدان خلفي للمواجهة، إذ يصبح الشقيق أداة اغتيال بيد الغريب.
وفي هذه الساحة الإقليمية المشتعلة التي تتقاطع فيها الأطماع والأحقاد يجد الكيان ضالته المنشودة في قطعان «جبهة النصرة»، التي صارت اليوم حكومة أمر واقع في سورية، تحشد دباباتها العمياء ومليشياتها المذهبية على تخوم شرق لبنان في جريدة عرسال وسلسلة جبال القلمون، وتنشر قواتها على الحدود المشتركة، في مهمة معلنة ومخطط لها بعناية لتطويق المقاومة وخنقها جغرافياً، وفصل مناطق انتشارها الحيوية عن بعضها البعض، تمهيداً لتقطيع أوصالها وتحويل كل منطقة إلى جيب معزول يمكن استنزافه على حدة، بينما تستكمل دبابات «الميركافا» الصهيونية في التوقيت ذاته دهس الجنوب السوري بمساندة جوية أمريكية مباشرة، وتهيئة الأرض الممتدة من هضبة الجولان المحتلة إلى أطراف البادية السورية أمام «ممر داوود» الاستراتيجي وتمدده شرق الفرات، ليمتد هذا الممر من مرتفعات الجولان إلى حدود الأنبار العراقية على طول حدود الأردن الشمالية وحدود العراق الشرقية، كجزء أول ورئيسي من جغرافيا أرض الميعاد أو ما تسمى «إسرائيل الكبرى».
وفي سياق متصل، تظهر بقية هذه الخريطة الخطيرة في مصر وغيرها من دول الطوق وما بعدها داخل الحسابات الاستراتيجية الصهيونية، فالعين الصهيونية لم تغفل يوماً عن سيناء المصرية كمخزن استراتيجي وامتداد حيوي، ولا عن منابع النيل، ولا عن ثغور البحر الأحمر، وهو ما تنبهت إليه أنقرة اليوم على غير عادتها؛ إذ أدركت متأخرة أن التنين الصهيوني إن أفلت من قمقمه في الجنوب السوري وتوطد له «ممر داوود» فلن تتوقف نيرانه عند حدود لبنان وفلسطين، بل ستبتلع الجغرافيا التركية نفسها ضمن حزام التمدد الذي لا سقف له.
هذا التنبه التركي بدا استثنائياً في توقيته وخطابه الإعلامي، إلا أنه سرعان ما ترك لهراوات ضغط مغايرة تتكئ على أمريكا بصورة أوضح واعتمادية أكبر، فأنقرة نفسها تجد نفسها محشورة بين أطماعها الإقليمية وحاجتها للغطاء الأطلسي، فهي لا تستطيع أن ترفع صوتها طويلاً قبل أن تعود إلى الاصطفاف الأمريكي المعهود، تحت ذرائع «محاربة الإرهاب» أو «ضبط الحدود»؛ فواشنطن قد تختلف مع الكيان الصهيوني حول الكيفية المناسبة في تحقيق هدف ما، إلا أنها لا تختلف معه أبداً حول الغاية النهائية، وقد تتباين المواقف التكتيكية بينهما حول التوقيت الأنسب للانقضاض؛ لكنها لا تتباين حول حتمية الاستهداف ذاته.
إن الولايات المتحدة وكيان الاحتلال يتقاسمان الأدوار لا الأهداف، ويديران الصراع تارة بالتصعيد وتارة بالتهدئة، إلى أن تثمر الشجرة ثمارها الكاملة. واليهود كما تقول شواهد التاريخ ونصوصه المقدسة لم يريدوا السلام يوماً وما زالوا يضمرون العداء المتجذر لكل العرب والمسلمين، وما ينقصهم في هذه اللحظة المفصلية ليس الغطاء السياسي، ولا الترسانة العسكرية، ولا الدعم الاستخباري المفتوح، بل الوقت، الذي يمنحهم فرصة إعادة رسم خرائط النفوذ وتثبيت وقائع الاحتلال الجديدة وتفريغ الأرض من سكانها، قبل أن يستفيق الجسد العربي من غفوته القاتلة أو ينهض جيل جديد من المقاومة يخلط الأوراق من جديد.
وهنا تكمن خطورة اللحظة التي تمر بها المنطقة، فبينما يظن البعض أن التنازلات تشتري السلام وتبعد شبح الحرب، نكتشف أن كل شبر يفرط به تحت وطأة التهديد هو مساحة إضافية تبتلعها الغدة السرطانية: «إسرائيل الكبرى» في طريق امتدادها من النيل إلى الفرات. وما يجري على تخوم لبنان الشرقية والجنوب السوري والحدود الأردنية العراقية ليس مناوشات عابرة ولا حوادث طارئة، بل إرهاصات مخاض استراتيجي يحاول الأعداء من خلاله سرقة المستقبل قبل أن يولد، وطمس معالم الأمة قبل أن تفيق من كبوتها.
وفي عمق هذه العتمة التي تتكاثف فيها المؤامرات وتتقاطع المصالح المشبوهة يبقى الرهان الأوحد والأبقى على وعد الله الذي لا يتخلف ولا يخذل الصابرين، فمهما بلغت دهاليز المكر الصهيوني ومهندسوه في الغرف السوداء ومختبرات الحروب الناعمة والصلبة، فإن الحقيقة القرآنية تظل نبراساً لا ينطفئ، ونوراً يخترق جدران الخذلان، «وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ»، إنها المعادلة الإلهية التي تنسف كل الحسابات الأرضية، وتجعل من صبر المقاومين وجهادهم المتواصل مفتاح النصر حين تستنفد المؤامرة كل أوراقها ويظن الذين كفروا أنهم قادرون على اقتلاع الحق من جذوره وإطفاء نور الله بأفواههم، فيأتي وعد الله كلمح البصر ليبدد أحلام الطغاة، ويورث المستضعفين أرضاً ظن الأعداء أنهم لن يعودوا إليها أبداً، ويكتب للدماء الزكية أن تثمر حرية تسقيها الأجيال القادمة.










المصدر فهد شاكر أبو راس
زيارة جميع مقالات: فهد شاكر أبو راس