العدوان السعودي على مطار صنعاء .. قراءة في استراتيجية التصعيد والحصار
- فهد شاكر أبو راس الثلاثاء , 21 يـولـيـو , 2026 الساعة 12:45:09 AM
- 0 تعليقات

فهد شاكر أبوراس / لا ميديا -
في مشهد يعيد إلى الأذهان سنوات العدوان السعودي -الأمريكي الغاشم على اليمن، تعود السعودية إلى طبيعتها العدوانية المتجذرة، لتقصف مطار صنعاء الدولي في خطوة متهورة تكشف عن حقيقةٍ لا تخفى على أحد: أن الرياض لم تتعلم من دروس الماضي، ولم تستوعب أن اليمن اليوم ليس كما كان بالأمس. هذا العدوان الفاضح على منشأة مدنية سيادية، في لحظة كانت فيها العاصمة صنعاء تمارس حقها المشروع في إعادة تشغيل مطارها، إنما هو دليلٌ قاطع على أن السعودية تتعامل مع اليمن وكأنه ملكية خاصة، ومنشأة تابعة للتاج الملكي السعودي.
منذ هدنة عام 2022، والمواقف السعودية ترسم ملامح استراتيجية واضحة المعالم: المماطلة في كل الملفات، والتحكم في مفاصل الحياة اليمنية، وكأن الرياض تملك حق الفصل في مصير الشعب اليمني. وإذ بملف مطار صنعاء الدولي يصبح نموذجاً صارخاً لهذه الاستراتيجية الاستكبارية، حيث منحت السعودية نفسها الحق في إغلاقه والتحكم في إعادة تشغيله، كما لو أنه مطار ملكي يقع في نطاق مملكتها. وهذا ليس مستغرباً من نظام يرى في اليمن مجرد ساحة خلفية لتنفيس أزماته الداخلية، ومتنفساً لتصدير إخفاقاته السياسية إلى جاره الجنوبي.
ولعل ما يثير الدهشة إن كان للدهشة مكان في تحليل السلوك السعودي هو تناقضه الفاضح في المواقف. فبينما تغلق الرياض مطار صنعاء الدولي، وتحتجز المسافرين اليمنيين في الداخل والخارج، وتمنع العالقين من العودة إلى وطنهم، وتعتبر ذلك انتهاكاً لسيادتها، نراها في الوقت نفسه ترفع صوتها في البوق الأمريكي وتندد بإغلاق إيران مضيقاً واقعاً تحت سيادتها الكاملة. هذا التناقض ليس عيباً في المنطق السياسي السعودي فحسب، بل هو كشف لطبيعة اصطفاف أعمى مع المشروع الأمريكي في المنطقة، حيث تُباح كل الوسائل ضد اليمن، في حين تُقدس السيادة عندما يتعلق الأمر بخصوم الرياض الإقليميين.
لقد طُلب من السعودية بكل الطرق، وخوطبت بشتى الوسائل، أن تترك مطار صنعاء وشأنه، وأن تعقل وتترك المكابرة، وأن تدخل في حل شامل وعادل يعالج تداعيات عدوانها السابق وفق خارطة طريق متفق عليها. لكنها آثرت المكابرة والاستكبار، وكأنها تريد أن تثبت للعالم أنها لا تزال قادرة على فرض إرادتها على اليمن، وأنها لم تضعف بعد سنوات العدوان الفاشل.
وهذا العناد السعودي، الذي بلغ حداً لا يمكن تفسيره بالمنطق السياسي التقليدي، إنما يعكس أزمة ثقة عميقة لدى صناع القرار في الرياض، الذين يجدون في استمرار العدوان على اليمن متنفساً لتبرير فشلهم في تحقيق أي من أهدافهم المعلنة منذ العام 2015.
ثم جاءت صنعاء، وبعد طول بال تعجز عنه الجبال، لتعلن ممارسة حقها المشروع في إعادة تشغيل مطارها الدولي، وكأنها تضع السعودية أمام اختبار حقيقي: هل هي مستعدة للقبول بحق اليمن السيادي، أم أنها ستكشف عن وجهها العدواني مرة أخرى؟ وللإجابة على هذا السؤال، لم تتأخر الرياض كثيراً، إذ اشتعلت حساسيتها المفرطة وكأن صنعاء قد هاجمت مطاراً سعودياً واستولت عليه، لترتفع هذه الحساسية إلى مستوى قصف مطار صنعاء في خطوة حمقاء متهورة، لا تعكس فقط طبيعة عدوانية متجذرة، بل تكشف عن عجز استراتيجي في التعامل مع المتغيرات على الأرض.
إن هذا العدوان الجديد على مطار صنعاء الدولي، يأتي في سياق أوسع من الحصار الجائر المفروض على اليمن منذ سنوات، حصار طال كل مفاصل الحياة، وتسبب في معاناة إنسانية لا توصف، وحول اليمن إلى أكبر أزمة إنسانية في العالم. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: كم سيبقى هذا الحصار قائماً؟! وكم ستبقى السعودية متشبثة بسياساتها العدوانية تجاه اليمن، في وقت يثبت فيه كل يوم أن هذه السياسات لم تحقق سوى المزيد من الفشل والإخفاق.؟!
لقد حان الوقت لوضع حد للعدوانية السعودية، لما ألحقته من ضرر بالغ باليمن أرضاً وإنساناً. فاليمن اليوم هو البلد العربي الوحيد الذي يعاني من حصار جائر من جواره، وهذه الحالة الاستثنائية الشاذة يجب أن تنتهي سلماً أو حرباً.
إن الخيارات أمام السعودية واضحة: إما سلام وأمن للجميع، قائم على الاعتراف بحقوق اليمن السيادية، وإنهاء كل أشكال العدوان والحصار، وإما استمرار حالة اللاأمن وعدم الاستقرار التي لن تقتصر آثارها على اليمن وحدها، بل ستمتد إلى المنطقة بأسرها.
وإذا كانت السعودية قد اختارت، كما في السابق، طريق العدوان الغاشم ظلماً وبغياً ودون أي حق، فعليها أن تتحمل عواقب عدوانها المستجد والسابق. فالمعادلة في اليمن أصبحت واضحة، ولا تحتمل التأويل: من اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، عدوان فاضح والرد واضح، وإن عدتم عدنا. وهذه ليست دعوة إلى الحرب، بل هي إعلان موقف من طرف يملك اليوم من القوة والمنعة ما يمكنه من حماية سيادته، والرد على أي عدوان بأسلوب يضمن عدم تكراره.
في النهاية، يبقى مطار صنعاء الدولي رمزاً لسيادة اليمن، وشاهداً على معاناة شعب صابر، وعنواناً لرفض الهيمنة والوصاية. وقصفه لن يزيد اليمنيين إلا إصراراً على موقفهم، ولن يكسر إرادتهم في استعادة حقوقهم كاملة. فكما صمد اليمن أمام سنوات العدوان، سيواصل صموده حتى تحقيق النصر، وعلى الله قصد السبيل، وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً.










المصدر فهد شاكر أبو راس
زيارة جميع مقالات: فهد شاكر أبو راس