فهد شاكر أبو راس

فهد شاكر أبوراس / لا ميديا -
مشهد طهران لم يكن مجرد تشييع، بل هو استفتاء صامت بملايين الأصوات التي لم تُقرأ في أي صناديق اقتراع غربية، ولا في تقارير استخباراتية أنفقت عليها المليارات، ولا في أحلام «إيران ما بعد الجمهورية الإسلامية» التي روّج لها مروجو «الربيع العربي» في نسخته الفارسية... فما رأته الكاميرات لم يكن عزاءً مؤقتاً بقدر ما كان إعلان حربٍ بيضاء على كل الرهانات التي بنتها واشنطن و«تل أبيب» على مدى عقود.
راهنت أمريكا والكيان الصهيوني على أن «العامل الاقتصادي» و«التعب النفسي» سيفتح الباب أمام اختراق داخلي يستبدل القيادة بأخرى عميلة أو على أقل تقدير «مرنة» وأكثر قابلية للتفاوض؛ لكن الجموع التي خرجت في شوارع طهران دفنت هذه الأوهام في مثوى أبدي، وكتبت شهادة ميلاد جديدة لإيران مفادها؛ أنها لم تعد مجرد دولة تخضع لمنطق «البقاء»، بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية نفسية تتفاعل مع التهديد الخارجي عكسياً، فكلما اشتد الحصار زاد التماسك، وكلما زادت الاغتيالات تعاظم الحضور الجماهيري، وهنا تكمن المعضلة الاستراتيجية التي تعجز عن فكّها أي عقلية إدارية أمريكية أو صهيونية، لأنها تتعامل مع «النظام» ككيان بيروقراطي يمكن عزله أو تحييده، بينما هي أمام كائن حي يتنفس من خلال الشارع ذاته الذي ظنته جبهة خلفية.
لقد أثبتت الحالة الإيرانية أن الضغط الخارجي لا يؤدي إلى انكسار داخلي، بل يخلق مادة لاصقة بين شعب لا يرى خياراً آخر سوى التماهي مع مشروع وجودي يفوق أي حسابات مادية. وهنا يبرز السؤال الأكثر إيلاماً لمن خطّطوا لـ»الضغط الأقصى»: كيف لشعبٍ يُقال عنه إنه يعيش «ضائقة معيشية خانقة» أن يترك بيوته ومصالحه ليخرج بهذا الزخم؟!
عندما يدرك الإنسان أن المعركة ليست على هامش رغيف الخبز، بل على ماهية كيانه وحضوره في التاريخ، فإنه يرفع سقف أولوياته إلى ما يتجاوز الجوع المؤقت، وهذا ما فشلت استوديوهات واشنطن و«تل أبيب» في محاكاته، لأنها ظلت ترسل موجاتها إلى عقول افتراضية تبحث عن مكاسب سياسية آنية، بينما كان الشارع الإيراني يعيش حالة إيمانية مفرطة يعجز عن استيعابها أي نموذج تحليلي غربي يقوم على «العقلانية الباردة».
كان التقدير الأمريكي - الصهيوني أن الرد الإيراني على اغتيال القادة سيكون «مسرحية صاروخية» للاستهلاك الإعلامي، فجاءتهم الصواريخ الحقيقية على قواعدهم العسكرية في المنطقة لتكتب معادلة ردع جديدة؛ لكن الأقسى عليهم لم يكن الصاروخ نفسه، بل ذلك المشهد المدني الموازي الذي حوّل كل صاروخ أُطلق إلى أسطورة وطنية، بينما تحولت صواريخهم الدفاعية إلى رمز للعجز الذي لا تغطيه أنظمة القبة الحديدية ولا صفقات الأسلحة الأمريكية.
اليوم، حين نشاهد الحشود الإيرانية لا بد أن يدرك المخططون في واشنطن أنهم أمام مناعة مجتمعية لا تُخترق بالعقوبات، وكل محاولة استهداف خارجي تتحول إلى فرصة داخلية لإعادة إنتاج الشرعية، وهنا يأتي الكشف الأكثر إحراجاً لبني صهيون: إن «إسرائيل» التي تظن نفسها «دولة» قائمة على القوة العسكرية الذكية لم تدرك أن أمنها الاستراتيجي بات مرهوناً بقدرتها على اختراق كتل بشرية لا يمكن قصفها أو تشريدها.
إن محور المقاومة، الذي ظنه الغرب تحالفاً ظرفياً يمكن تفكيكه بصفقات جانبية، تحوّل إلى منظومة قيمية تتجاوز الجغرافيا، وكأن طهران اليوم تقول للعالم بصوت لا يحتاج إلى مترجم: لقد راهنتم على جوعنا ففشلتم، وراهنتم على خوفنا فانهزمتم، وراهنتم على انهيارنا فإذا نحن من يكتب نهاياتكم.
إن هذا التشييع في طهران يثبت أن الشعوب حين تختار البقاء لا يوقفها جدار، وأن القيادة حين تُختبر بالدماء تخرج منها أكثر شرعيةً مما كانت، وأن المشهد الإيراني اليوم ليس مجرد حدثٍ عابر، بل مرآة عاكسة لكل من راهن على الموت فإذا به يرى الحياة تنتفض من رماده. وهنا تكمن المفارقة الأكثر ذكاءً في هذه المعادلة: العدو، الذي راهن على إغراق إيران في وحل المعيشة، وجد نفسه غارقاً في وحل الفشل الاستخباراتي الذي فضحه ملايين الإيرانيين بكفنٍ أبيض، وكأنهم يكتبون للغرب رسالةً أخيرة: هذه ليست دولة تمر بأزمة، بل أمة تخوض ولادتها الثانية.

أترك تعليقاً

التعليقات