اليابسة.. حلم بطولي متسرب
- محمود ياسين السبت , 15 أغـسـطـس , 2026 الساعة 12:40:09 AM
- 0 تعليقات

محمود ياسين / لا ميديا -
ينتابني حنين للعمل في أعالي البحار، هناك حيث لا كتابة ولا إمعان.
كان لدي صديق في «مدرسة النهضة» يحلم هكذا ونحن نهرب في وقت الراحة ونتسكع بين البوفيهات، وكان يحلم بأن سفناً عملاقة تخبئ وجوده القلق، وأن صارية عملاقة يتشبث بقمتها صارخاً: اليابسة!
هو كان مسكوناً بأبطال مسلسلات الكرتون - البحريين تحديداً. ولم أكن من جهتي أعرف أيامها الفارق بين سفن أواخر القرن التاسع عشر والسفن الحديثة التي تلتقط اليابسة بالرادار والخريطة الإلكترونية، وليس بصوت الفتى الكرتوني المدهش؛...
حتى إنه كان ونحن في «جبل ربّي» يختار حجراً ضخماً على الحافة يقف عليه ويشير تجاه «جبل بعدان» صارخاً: اليابسة!
في اليوم التالي يطردنا المدير ولا نتألم من ذلك، فنحن لم نكن نعول كثيراً على العلم، إذ لم يحدث أن تقاسمنا مثلاً حلم الالتحاق بكلية تحتاج لمجموع كبير، وبقيت أحلامنا كرتونية غالباً، فهي وحدها قابلة للتحقق وملونة بدهشة المغامرة وخفة الكائن.
علمت مؤخراً أنه أمسى سائق شاحنة بين اليمن والسعودية، وأنه يُهرّب القات تحت كراتين المانجا والموز، ولقد أكد لي مَن رافقه في واحدة من هذه الرحلات أنه فقد ذلك الوميض المتحدي من عينيه، وأن تهريبه للقات يأتي كمحاولة مستميتة للتشبث بروحه المتهربة من عناء السلطات ورقابتها؛ لكنه يفعل ذلك بدون أحلام.
تتسرب الأقاصي من وجداننا بمرور الوقت، وتعلمنا الحياة كيف تستبدل حلم الانفلات الوجودي بارتكاب المخالفات الواقعية جداً، ونتحول شيئاً فشيئاً إلى شاحنات، وقد تلاشى داخلنا آخر بطل كرتوني تاركاً الروح تجابه الزمن بلا فنتازيا ولا دهشة.
الآن حصلت على رقم تلفونه واتصلت، سمعت صوته فصرخت: اليابسة!










المصدر محمود ياسين
زيارة جميع مقالات: محمود ياسين