مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
لا يزال بعض الناس عندنا يمثل امتداداً لذلك الداء العربي القديم، الذي أصاب السلطات والمؤرخين والأدباء والفقهاء. وهو مرض عضال لطالما فتك بدول ومجتمعات، وأفرغها من قيمها ومبادئها.
لقد كان تاريخنا ولا يزال هو النهر الذي يحمل إلى كل جيل وفي كل عصر عاهات الماضي وإحنه ونقائصه، لا كعبرة تُدرس، بل كعلوم ومعارف ومسلمات قطعية يجب الأخذ بها، فرحنا في الحاضر. نحمل الميت على الحي، ونحاكم الحاضر بجثة الماضي.
وكان هذا الداء الأكثر فتكاً من كل داء هو: الاعتقاد بأن هناك قبيلة أفضل من قبيلة، وشعباً خيراً من شعب، ومنطقة أعظم من منطقة. فما هذا العبث والاستخفاف بالعقل والإنسان؟!
وما أحقر ذلك الإنسان الذي يدعي الثقافة وهو يجتر هذه السخافات والأمراض ويسقطها على منطقة أو قرية أو قبيلة، في الوقت الذي يعتقد فيه أنه يقدم خدمة للمجتمع والأمة! إنما هو يعيد إنتاج السم في دم الأمة وهو يظن أنه يطببها.
إن هذه الإسقاطات والأحكام هي التي قدمتها سلطات الجور عبر العصور للمجتمعات كعامل إلهاء وإشغال عما يجب فعله لكي تخرج من وضعيتها البائسة المريرة. شغلت الناس بأنسابهم عن أسباب بؤسهم، وبمفاخر قبائلهم عن فساد سلطانهم.
ومع تطور الزمن لم يتغير الداء، إنما تغيرت أسماؤه. فالمجتمعات التي سبق لها أن أفرغت كل جهدها ووقتها بالحماسة القبلية، تحولت الحماسة فيها من قبلية إلى شعبية. وهنا تراءت عدة أقاويل تعتد بالشعوب، وراح يفضل كل قائل شعبه على سائر الشعوب. وهذا امتداد لتفضيل كل قائل قبيلته على سائر القبائل.
إلا أن ثمة فارقاً دقيقاً يجب تثبيته هو: إن التمدح بالشعوب أكثر مشروعية وأفضل من التمدح بالقبيلة، شريطة أن يكون هذا التمدح منوطاً بأهداف استنهاضية للشعب كي يقوم بالتصدي لمعتدٍ أو التطهير لأرضه من احتلال، أو الانتقال به من وضعية فاسدة إلى ما هو أفضل. فالاعتزاز المشروع هو اعتزاز وظيفي تحرري نهضوي. وما عدا ذلك فلن يكون إلا نوعاً من أنواع القبلية المقنعة، وباعثاً من بواعث الشوفينية المقيتة. إذ المسألة باختصار أنك ستصبح أمام قبلية جديدة بلباس قومي.
والخلاصة:
إن الشعوب كلها تملك قدرات ومزايا ونقائص وتفاهات، وبوجود قيادات عظيمة تصبح كل الشعوب عظيمة لا فرق بين من تسمى عربياً ومن تسمى أعجمياً، وما يصدق على الشعب يصدق على القبيلة والمنطقة والمحافظة.
وعليه، فالتعميم بأن هذا الشعب منتخب وهذا الشعب حقير فمجرد مجازفة حمقاء. لأن الشعوب كلها تملك استعداداً للتطور وللإبداع إذا توفرت فيها الثقافة الاختبارية والتعليم المنهجي والريادة السياسية التي تبحث عن المواهب وتحسن تجنيدها وتوجيهها وتعدد مواقعها واختصاصاتها.
فليس هناك شعب ذكي وشعب بليد وشعب غجري وشعب راق. كل الشعوب تصلح للرقي إذا توفرت أسبابه وتهيأت قياداته التي تملك الحس الإبداعي والملكة القيادية والشروط الموضوعية للنهوض. فالعظمة ليست نسباً، بل عمل، وليست دماً، بل إدارة.

أترك تعليقاً

التعليقات