منتجات الشبيه.. حرب بيولوجية بزيوت مهدرجة تسرطن حياتنا
- عبد الحافظ معجب الأحد , 10 مـايـو , 2026 الساعة 12:56:48 AM
- 0 تعليقات

عبدالحافظ معجب / لا ميديا -
بينما يشتد خناق الحصار الاقتصادي ونعيش فراغاً قاتلاً ليس بحرب واضحة ولا بسلم آمن، تسللت إلى مطابخنا وأطباق أطفالنا ووجبات وسندوتشات الكافتيريا حرب من نوع مختلف لا صوت فيها للبارود ولا دخان يملأ الأفق، لكنها تترك في الأجساد ندوباً لا تمحوها السنين، إنها ظاهرة منتجات الشبيه التي اكتسحت أسواقنا مؤخراً تحت مسميات براقة مثل شبيه الجبنة وشبيه القشطة وشبيه الزبدة، وكأن اللغة العربية طُوعت لتصبح مأوى للتدليس على أفواه من طحنتهم سنوات العدوان والحصار.
هذه المنتجات التي لم يعرفها قاموسنا الغذائي ولم تكن يوماً على موائد آبائنا الذين عاشوا على الجبن والحقين والسمن البلدي، استغلت بجشع تدهور القوة الشرائية وانهيار الرقابة، لتصبح وجباتنا أشبه بحقل ألغام بيولوجي يهدد الأجيال بأمراض لم تكن معهودة في مجتمعنا، ولهذا فإن الوقوف أمام هذه الظاهرة واجباً وطنياً يحتم علينا مكاشفة المؤسسات الحكومية والرقابية في صنعاء وعلى رأسها وزارات الصناعة والصحة والإعلام ومصلحة الجمارك وهيئة المواصفات وجمعيات حماية المستهلك بمسؤوليتها التاريخية، فمن غير المقبول أن ينجو المواطن من صواريخ العدوان ليجد نفسه ضحية شركات لا تبحث إلا عن الربح السريع على حساب صحة شعب بأكمله.
انزلوا إلى أسواقنا ومحلات السوبر ماركت والبقالات والكافتيريا لتروا المجزرة الغذائية التي تُرتكب بدم بارد خلف ملصقات ملونة وصور أبقار ومراع خضراء لا وجود لها في واقع هذه المنتجات، فكلمة شبيه التي تُدس بخجل وبخط لا يكاد يرى في زاوية العلبة أو الكرتون الخارجي هي الخدعة التسويقية لتمرير سموم الزيوت المهدرجة إلى بيوتنا، والسؤال هنا: من سمح لهؤلاء التجار المستوردين بأن يسرطنوا حياتنا ومستقبل أولادنا؟ وكيف دخلت هذه المنتجات من المنافذ الجمركية؟ وكيف أغرقت الأسواق دون أن تثير اهتمام الجهات الرسمية؟ المبدأ الذي تقوم عليه هذه الصناعة هو تجريد الحليب من أثمن مكوناته وهي الزبدة البلدية الغنية بالفيتامينات، واستبدالها بأرخص الزيوت التي توصف بأنها قنابل مسمومة من الدهون المتحولة التي لا يستطيع الجسم البشري هضمها.
علمياً، تتراكم هذه الدهون على جدران الشرايين وترفع الكوليسترول الضار بشكل جنوني وتفتح أبواب السكري والسمنة المفرطة، والطفل الذي يفترض أن يبني جسده بالكالسيوم والدهون الصحية لا يجد في الواقع إلا خليطاً كيميائياً من المستحلبات وأملاح الفوسفات الضارة بالكلى والمنكهات الاصطناعية، وهذه المواد تمنحه شعوراً زائفاً بالشبع بينما تتركه من الداخل محروماً من العناصر الحيوية التي يحتاجها نمو عقله وجسده.
والمؤسف أن بلادنا أصبحت مكباً يستقبل كل ممنوع ومحرم من المبيدات الزراعية المسرطنة والخطيرة إلى النفايات الغذائية التي رفضتها شعوب العالم وحكوماته أو فرضت عليها قيوداً تمنع تسميتها جبناً أو وضع صور الأبقار على أغلفتها منعاً للتضليل والتزوير، وفي وقت نصرخ فيه من شح العملة الصعبة نجد هذه المنتجات تستنزف ما تبقى من مدخراتنا لدعم شركات أجنبية قد تكون معادية، بدلاً من توجيه كل ريال ودولار لدعم المزارع الوطني الذي يصارع من أجل البقاء في سهول تهامة ومروج إب وذمار وصعدة والجوف وريمة.
نحن بحاجة فورية لخطط وطنية حقيقية تدعم معامل الألبان الصغيرة والمتوسطة وتعيد إحياء تعقيم وتغليف الأجبان البلدية بالطرق الحديثة، على أن يقترن ذلك بفرض ضرائب باهظة على كل منتج ملغوم بالزيوت المهدرجة، بهدف تضييق الفارق السعري وجعل الخيار الصحي في متناول المستهلك، لا الخيار القاتل المسموم، وعلى المستهلك أن يدرك أن فارق السعر الزهيد الذي يوفره اليوم سيدفعه لاحقاً أضعافاً مضاعفة في فواتير المستشفيات والعيادات التي أصبحت بدورها "شبيهاً" بالمرافق الصحية وأقرب للمسالخ البشرية، ابحثوا في الملصقات عن عبارة دهن نباتي أو زيت مهدرج، فإذا وجدتموها فاعلموا أنكم تشترون المرض والوهن لأطفالكم بمحض إرادتكم.
القضية ليست مجرد ملصق على المعلبات المستوردة في ظل الحرب البيولوجية، بل سؤال أخلاقي نضعه أمام ضمير كل مسؤول: هل ننتظر حتى ينمو في بيوتنا جيل مسرطن لنبدأ التحرك، أم أن أرباح التجار أصبحت أقدس من حياة اليمنيين؟ الكرامة التي ندافع عنها في الجبهات تبدأ من سلامة ما نضعه على موائد أطفالنا، ونحن لا نريد أشباه مسؤولين يقدمون أشباه حلول لمواجهة أشباه الغذاء، بل نريد موقفاً جاداً يحمي حياة الفقراء قبل أن يحمي هوامير الفساد والاستيراد، ولترتفع أصواتنا بـ"لا لقتلنا بالزيوت المهدرجة على طريقة الإبادة البطيئة، ونعم ألف مرة للغذاء البلدي الوطني الآمن الذي يحفظ الصحة ويعيد لمجتمعنا عافيته المسلوبة".










المصدر عبد الحافظ معجب
زيارة جميع مقالات: عبد الحافظ معجب