«حرام» في الرياض.. «حلال» في صنعاء!
 

فؤاد أبو راس

فؤاد أبو راس / لا ميديا -
ما إن اهتز مطار الرياض تحت وقع الضربة الأخيرة حتى استيقظت فجأة قاموساتٌ كاملة ظلت نائمة لسنوات: «الطيران المدني»، «سلامة المسافرين»، «حرمة المطارات»، «القانون الدولي»، «ترويع المدنيين». امتلأت المنصات بالتحذيرات، وتسابق المعلقون إلى اكتشاف أن للمطارات حرمة وأن خلف كل رحلة مسافرًا وأسرة وموعد علاج ورحلة عمل. بدا المشهد وكأن المنطقة تعرف للمرة الأولى أن قصف المطار يترك أثرًا يتجاوز المدرج إلى حياة الناس.
هذا الاكتشاف المتأخر كان سيبدو أكثر احترامًا لو لم يكن على بعد مئات الكيلومترات هناك مطارٌ اسمه مطار صنعاء الدولي، تعرّض منذ مارس 2015 لأكثر من 150 غارة، وظل لسنوات هدفًا مفتوحًا للقصف والتعطيل والحصار، فيما كان ملايين اليمنيين ينظرون إلى سمائهم المغلقة وإلى مرضاهم العالقين وإلى طلابهم ومسافريهم وكأن حياة هؤلاء تقع خارج قاموس الإنسانية الذي جرى فتحه بكامل صفحاته عندما وصل الخطر إلى الرياض.
هنا تبدأ الحكاية الحقيقية، وهنا ينكشف الخلل الأخلاقي قبل السياسي. فالمطار في القانون لا يعرف اسم العاصمة التي يقع فيها. المدرج في صنعاء هو المدرج نفسه في الرياض، والطائرة المدنية تحمل بشرًا في المدينتين، والمريض الذي ينتظر رحلة علاج في صنعاء لا تقل قيمة حياته عن المسافر الذي تعطلت رحلته في مطار الملك خالد. فإذا كانت سلامة الطيران مبدأً، فإن المبدأ كان يجب أن يبدأ قبل أحد عشر عامًا، لا من أكتوبر 2026. وإذا كان استهداف المطار جريمة تستوجب الغضب، فإن الغضب الذي يصل متأخرًا بعد أكثر من 150 غارة على مطار صنعاء يحتاج أولًا إلى أن يشرح صمته الطويل.
المشكلة أعمق من مطار واحد. فمنذ عام 2015 تعرض اليمن لأكثر من ربع مليون غارة طالت مختلف أنحاء البلاد، وامتدت آثارها إلى منازل وأسواق ومستشفيات ومدارس وطرق وجسور ومصانع ومزارع ومنشآت مياه وكهرباء وموانئ ومطارات. إحدى عشرة سنة كاملة تشكلت خلالها ذاكرة يمنية من الركام والجنازات والمنازل المهدمة والطرق المقطوعة والمطارات المحاصرة، ثم يأتي الخطاب نفسه اليوم ليطلب من اليمني أن يتعامل مع الضربة التي وصلت إلى الرياض وكأن التاريخ بدأ صباح ذلك اليوم.
هنا تصبح ازدواجية المعايير أكثر فجاجة؛ لأن الذين يطالبون اليمني بأن يعزل رد الفعل عن كل ما سبقه يطلبون منه عمليًا أن يمحو أحد عشر عامًا من ذاكرته، وأن يتذكر صاروخ الرياض وينسى آلاف الغارات فوق صنعاء وصعدة والحديدة وحجة وتعز وعمران.. و.. و.. إلخ، يريدون منه أن يرى الراكب الذي تأخر في الرياض، وأن ينسى المريض الذي انتظر سنوات منفذًا جويًا للعلاج. يريدون منه أن يسمع صوت الإنذار في مطار الملك خالد، وأن يصم أذنه عن صوت الانفجارات التي رافقت مطار صنعاء منذ الأيام الأولى للعدوان.
الخطورة هنا تقع في تحويل الأخلاق إلى أداة انتقائية. فحين كان القصف يتجه إلى اليمن، كانت اللغة تدور حول «الأهداف العسكرية» و«العمليات» و«الضرورة». وحين عبر الخطر الحدود في الاتجاه الآخر، انتقلت اللغة فجأة إلى «المدنيين» و«المسافرين» و«الطيران الدولي». بهذا الأسلوب تتحول القاعدة من مبدأ عام إلى امتياز جغرافي؛ تصبح حياة المدني محل احترام حين يقع داخل حدود معينة، ويصبح الخطر مقبولًا حين يقع خارجها.
اليمني لا يحتاج إلى محاضرة جديدة عن حرمة المطارات. هو يعرف معناها من تجربة دفع ثمنها سنوات. يعرف معنى أن يُضرب المدرج، وأن تتعطل الرحلات، وأن يصبح السفر للعلاج معركة، وأن تتحول المسافة بين المريض والمستشفى إلى حدود سياسية وجوية مغلقة. ويعرف أيضًا معنى أن تصبح البنية المدنية جزءًا من الضغط العسكري والاقتصادي ثم يأتي من مارس ذلك الضغط نفسه ليطالب اليوم بإخراج المطارات كليًا من دائرة الصراع بعدما أصبحت مطاراته هي التي تشعر بالخطر.
وهنا يبرز السؤال الذي يكشف كل التناقض: متى أصبح المطار المدني خطًا أحمر؟ هل أصبح كذلك عندما استهدف مطار الرياض؟ وإذا كان الجواب نعم، فمن الذي أباح مطار صنعاء طوال السنوات السابقة؟ وإذا كان المبدأ يتعلق بسلامة المدنيين، فمن الذي قرر أن المدني اليمني يستطيع تحمل ما لا ينبغي للمدني السعودي أن يتحمله؟ وإذا كانت حركة الطيران الدولي تستحق الحماية، فأين كانت هذه الحساسية عندما عاش اليمنيون سنوات تحت إغلاق جوي شبه كامل؟
هذه الأسئلة لا تبحث عن تبرير الأذى لأي مدني؛ هي تطالب بميزان واحد. فالميزان الذي يتغير وزنه بحسب هوية الضحية لا يستحق أن يسمى عدالة، والخطاب الذي يكتشف القانون عندما تصل النار إلى بيته ويفقده عندما تحترق بيوت الآخرين يفضح نفسه قبل أن يفضح خصمه.
المثير أيضًا أن بعض الأصوات تتعامل مع الضربات اليمنية وكأنها ولدت في فراغ سياسي وزمني، وكأن صباحًا مجهولًا استيقظت فيه صنعاء وقررت فجأة أن تضرب الرياض. هذا القطع المتعمد للسياق هو أقصر طريق لصناعة رواية مريحة: احذف ما قبل الرد، ثم قدّم الرد باعتباره أصل القصة. امحُ أكثر من 150 غارة على مطار صنعاء، وامحُ ربع مليون غارة على اليمن، وامحُ الحصار، وامحُ سنوات القصف، ثم افتح الكاميرا عند لحظة وصول الصاروخ إلى الرياض وقل للناس: هنا بدأت المأساة.
لكن التاريخ لا يعمل بهذه الطريقة. فالذاكرة اليمنية أطول من دورة خبر عاجل، والجرح اليمني أعمق من أن تمحوه حملة إعلامية. ومن يريد أن يناقش اليوم أخلاق استهداف المطارات عليه أن يفتح الملف كاملًا من الصفحة الأولى، لأن من يطالب الآخرين باحترام قاعدة خرقها لسنوات يفقد جزءًا كبيرًا من قوته الأخلاقية قبل أن يبدأ النقاش.
عندما نجد جوابًا صادقًا عن هذا السؤال، يمكن حينها الحديث بجدية عن القانون والأخلاق وحماية المدنيين. أما أن تتحول حياة الإنسان إلى قيمة متغيرة بحسب الجغرافيا، وأن تصبح حرمة المطار مرتبطة باسم العاصمة، وأن يُطلب من اليمني أن ينسى أكثر من 150 غارة على مطاره وربع مليون غارة على بلاده ثم يبكي على اضطراب حركة الطيران في الرياض، فهذه ليست عدالة ولا قانونًا.
إنها ذاكرة انتقائية ترتدي ثوب الأخلاق، وتطلب من الضحية أن تنسى تاريخها في اللحظة التي بدأ فيها الطرف الآخر يتذوق شيئًا من الكلفة التي عرفها اليمنيون طوال أحد عشر عامًا.

أترك تعليقاً

التعليقات