مروان ناصح

مروان ناصح / لا ميديا -
مصلّح الساعات.. حارس الزمن الصامت
في الأزمنة التي لم تكن فيها الشاشات تحكُم أنفاسنا، ولا الأرقام تسرق دفء اللحظة، كان هناك رجل صغير الجسد، عظيم الصبر، يقف خلف منضدة خشبية تعجّ بأسرار الوقت،
تحيط به ساعاتٌ مختلفة الوجوه والأحجام، متشابهة المصير، تحمل في جوفها نبض أصحابها وذكرياتهم...
إنه مصلّح الساعات. لم يكن يبيع الزمن، بل كان يرمّمه، ويعيد له وقاره وأناقة مروره.

الأدوات.. أصدقاء الدقيقة
مفكات دقيقة كالإبر، عدسات تشبه عيون الطيور، زيوت شفافة كأنداء الصباح، وتروس أصغر من أحلام الأطفال... كلها كانت رفاقه الأوفياء.
يعرفها كما يعرف أسماء أولاده، ويحادثها بصمت، فتطيعه بلا تردّد.
كانت يداه تهدهدان عقارب الزمن بلا قسوة، كأنهما تعزفان على وتر الثواني.

الساعات.. قصص على المعصم
لم تكن الساعة آلة صمّاء، بل سيرة حياة مختصرة.
هذه ساعة جدٍّ عبر بها عقود التعب، وتلك هدية حبيبٍ في زمن الوعد، وثالثة لطفلٍ يتعلّم العدّ على نبضها...
كل ساعة تحمل ذاكرة، وكل ذاكرة تحتاج قلباً يفهمها. لهذا، كان المصلّح صديق الأرواح، قبل أن يكون فنيّاً.

الدقة.. فضيلة الحرفة
في ورشته، لا مكان للاستعجال، ولا موضع للارتجال.
خطأ بحجم رمشة عين، قد يُسقِط الزمن من عينه المسلّحة بمكبِّر صغير.
كانت يداه ترقصان على إيقاع خفيّ لا يسمعه سواه، وكل حركة تُوزَن بميزان الحكمة والصبر. هناك، تتجلّى أخلاق المهنة، وتُختبر إنسانية الحرفة.

بين الورشة والبيت
كان الزبائن يأتون محمّلين بالوقت والهموم، يتركون ساعاتهم، ويتركون معها شيئاً من قلوبهم. يجلسون، يحكون، يبتسمون، يتنهّدون... وهو يصغي، يصلح، يربّت بالكلمة الطيبة، كأنه يعيد ترتيب الزمن والنفوس معاً.
ورشته كانت واحةً صغيرة للطمأنينة.

درس في الصبر
حين يفتح الساعة، يفتح عالماً مصغّراً؛ تروساً متشابكة، أنفاساً محبوسة، غبار سنوات...
ينظّف، يزيّت، يضبط، ويهمس: "اصبري؛ ستعودين!". وحين تدقّ من جديد، يولد الفرح في عينيه، كأنّ ساعة حياة أُعيدت إلى صاحبها.

حين حلّت الساعات الإلكترونية
جاءت الأزرار، وانطفأت الدقّات. صار الوقت صامتاً، بلا نبض، بلا روح.
قلّ الزوّار، وخفّت الحكايا، وتوارى الرجل الصغير خلف ضجيج السرعة... وبقيت الآلات باردة، والزمن وحيداً.

لماذا نستذكره اليوم؟
لقد علّمنا أن الوقت ليس رقماً، بل عناية، واهتمام، وضمير عمل؛
أن الدقيقة حياة، وأن كل شيء جميل يحتاج مَن يصبر عليه،
كما تحتاج قلوبنا دائماً من يصلح كسورها.

خاتمة:
مصلّح الساعات لم يكن فنيّاً عابراً، بل كان شاعراً يعمل بالمفكات، وفيلسوفاً يكتب بالحركة والدقّة.
كان حارس الزمن، وراعي الذكريات، يعيد ترتيب الفوضى قطعةً قطعة، ودقيقةً دقيقة.
وحين نذكره اليوم، فنحن لا نرثي مهنة اندثرت، بل نحيّي إنساناً جعل للوقت قلباً، ورسم للحياة نبضاً لا يُنسى.

أترك تعليقاً

التعليقات