مخطط تقسيمي صهيوني -إماراتي في قلب القرن الأفريقي يستهدف السيطرة على خليج عدن وباب المندب
- عثمان الحكيمي السبت , 7 فـبـرايـر , 2026 الساعة 12:09:54 AM
- 0 تعليقات

عثمان الحكيمي / لا ميديا -
تحت سماء دبي الزرقاء اللامعة في الثالث من فبراير 2026، نزل عبدالرحمن محمد عبدالله عيرو من طائرته، يحمل في جيبه لقب "رئيس أرض الصومال" الذي يتشبث به كما يتشبث الغريق بخشبة في بحر هائج. ليس هذا وصولاً عادياً إلى قمة حكومية؛ إنه دخول مسرحي محسوب إلى قلب مشهد جيوسياسي معقد، يُكتب فصله الجديد أمام أعين العالم. الزيارة -الثانية في أقل من اثني عشر شهراً- ليست دعوة مجاملة، ولا فرصة لالتقاط صور تذكارية. إنها حلقة في سلسلة طويلة من الخطوات المتعمدة التي تربط -بخيوط غير مرئية للعين العابرة- بين أبراج الإمارات ومكاتب "تل أبيب". ففي 26 ديسمبر 2025 رفع الكيان الصهيوني راية الاعتراف الرسمي بـ"أرض الصومال"، ليصبح أول كيان عضو في الأمم المتحدة يقدم هذه الخدمة الدبلوماسية النادرة.
فبينما تشتعل مقديشو احتجاجاً وتقطع كل خيوط الاتفاق مع أبوظبي في يناير 2026 متهمة إياها بتمزيق السيادة الصومالية، تتضح الصورة الكبرى: هناك من يعيد نحت جغرافيا القرن الأفريقي بأدوات حديثة -استثمارات موانئ، قواعد خفية، شبكات مراقبة، ووعود أمنية- مستغلاً موقع أرض الصومال الذي يقبع كحارس صامت عند فم خليج عدن وباب المندب، أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي. فليست المسألة نزاعاً محلياً بين هرجيسا ومقديشو. إنها معركة مفتوحة على مصير ممر بحري حيوي، وعلى توازن قوى إقليمي يمتد تأثيره إلى أبعد من سواحل الصومال. وفي وسط هذا العاصفة يقف عيرو، يبتسم للكاميرات، وكأن المسرح الكبير للأحداث يُفتح ستاره الآن، ودبي هي المنصة التي اختيرت ليبدأ العرض الجديد.
الإمارات.. اليد التنفيذية في بناء الشبكة الأمنية والاستخباراتية
منذ سنوات، تحولت الإمارات إلى الراعي الأبرز للإدارة الانفصالية في أرض الصومال، ليس اقتصادياً فحسب، بل أمنياً واستخباراتياً أيضاً. استثمرت شركة "دي بي وورلد" أكثر من 442 مليون دولار في تطوير ميناء بربرة منذ 2016، ضمن اتفاق امتياز لثلاثين عاماً، لكن الاستثمار تجاوز الجانب التجاري إلى بناء قاعدة عسكرية قريبة، وتطوير مطار بربرة الدولي الذي يدعم عمليات جوية وبحرية، وتسهيلات تأشيرات وإقامة لقيادات الانفصال. زيارة عيرو الحالية، التي شملت لقاءات رفيعة في أبوظبي، تأتي رغم إلغاء مقديشو الاتفاقيات، مما يكشف سياسة مزدوجة: تصريحات دبلوماسية تؤكد احترام الوحدة الصومالية، وأفعال ميدانية تبني شبكة أمنية تشمل مراقبة بحرية وجوية في خليج عدن. هذا النهج يربط الملف الصومالي بالأزمة اليمنية، حيث تُستخدم بربرة كنقطة عبور لعمليات استخباراتية ولوجستية، مما يجعل الإمارات شريكاً فعالاً في مشروع يهدف إلى إضعاف أي كيان عربي -إسلامي قوي في المنطقة من خلال تعزيز السيطرة على ممرات الملاحة الحيوية.
الاعتراف الصهيوني.. الغطاء الدبلوماسي لإقامة شبكة استخباراتية متقدمة
في خطوة غير مسبوقة، أعلن الكيان الصهيوني في 26 ديسمبر 2025 الاعتراف الرسمي بأرض الصومال، في أول اعتراف، ووصفت بأنها امتداد لـ"اتفاقيات إبراهيم". هذا الاعتراف لم يأتِ عفوياً، بل نتيجة مفاوضات مكثفة بدأت تتسارع بعد انتخاب عيرو في نوفمبر 2024، وشملت وعوداً بتعاون أمني واستخباراتي واسع. الكيان الصهيوني ينظر إلى أرض الصومال كشريك استراتيجي محتمل قرب طرق الشحن الحساسة في البحر الأحمر، حيث يسعى لتعزيز وجوده في ساحة البحر الأحمر، خاصة بعد التحديات التي واجهها في مواجهة التهديدات من اليمن خلال الفترة الأخيرة. موقع أرض الصومال الجيوسياسي عند المدخل الجنوبي لخليج عدن، مقابل السواحل الجنوبية لليمن، يمنحه قيمة إضافية كمنصة لجمع المعلومات الاستخباراتية، مراقبة التحركات العسكرية، ودعم عمليات بحرية وجوية. تقارير استخباراتية تشير إلى شروط تشمل إقامة مرافق مراقبة ساحلية، وتبادل معلومات، وانضمام الكيان الانفصالي إلى "اتفاقيات إبراهيم". هذه الخطوة أثارت إدانة واسعة في مجلس الأمن، حيث اعتبرتها دول مثل الجزائر وسيراليون اعتداءً صارخاً على سيادة الصومال، وتهديداً للاستقرار الإقليمي. الاعتراف يعيد إحياء "عقيدة المحيط" الصهيونية التي تسعى لتحالفات مع كيانات لتجاوز العزلة، لكنه يعمق الشقاق في القرن الأفريقي ويفتح الباب أمام تدخلات استخباراتية وعسكرية غير مباشرة.
تقاطع المصالح الأمنية.. الإمارات والكيان الصهيوني في مواجهة الوحدة الصومالية
يتشكل المشهد الحالي من تقاطع مصالح إماراتية -صهيونية مكشوف: أبوظبي توفر البنية التحتية الاقتصادية واللوجستية عبر بربرة، بينما يمنح الاعتراف الصهيوني الغطاء الدبلوماسي والأمني. هذا التحالف غير المعلن يهدف إلى إضعاف الحكومة الفيدرالية في مقديشو التي تتبنى موقفاً مؤيداً لفلسطين وترفض أي تقسيم، وتعزيز النفوذ الإماراتي في البحر الأحمر مقابل التهديدات القادمة من اليمن كما يسمونها. تقارير تشير إلى أن أرض الصومال قد تكون منصة لعمليات استخباراتية مشتركة ضد اليمن، أو قاعدة لوجستية بديلة للكيان الصهيوني، مع إمكانية تبادل وجمع معلومات ومراقبة الملاحة. هذا المسار يفاقم التوترات الإقليمية، خاصة مع إثيوبيا التي وقعت مذكرة تفاهم مع أرض الصومال في 2024 للوصول إلى البحر، مما أثار أزمة مع مقديشو. النتيجة واضحة: تعميق الانقسامات الداخلية الصومالية، إطالة أمد الصراع، وزيادة التدخلات الاستخباراتية والأمنية في وقت يحتاج فيه الصومال إلى وحدة لمواجهة التحديات الأمنية الهائلة.
التداعيات الأمنية والاستخباراتية.. من خطر التصعيد إلى تهديد الملاحة العالمية
زيارة عيرو إلى الإمارات، بعد الاعتراف الصهيوني، تمثل خطوة نحو تعميق الشراكة الأمنية، لكنها تحمل مخاطر جسيمة على الاستقرار. مجلس الأمن ناقش الأمر في جلسة طارئة، محذراً من أن الاعتراف يهدد الاستقرار في القرن الأفريقي ويفتح الباب أمام تقسيمات أخرى. اليمنيون هددوا باستهداف أي وجود صهيوني في أرض الصومال، مما يرفع منسوب التصعيد في البحر الأحمر. عربياً وإفريقياً، الرفض واسع: الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي يؤكدان وحدة الصومال، معتبرين الخطوة انتهاكاً للقانون الدولي. دولياً، قد يشجع الاعتراف دولاً أخرى على الاعتراف، لكنه يعمق العزلة الإقليمية للكيان الصهيوني ويزيد الضغط على الملاحة العالمية من خلال تعزيز مراقبة استخباراتية مشتركة. في النهاية، يبدو أن هذا المسار يخدم أجندة تقسيمية طويلة الأمد، تهدف إلى إضعاف الدول العربية والإسلامية في المنطقة من خلال شبكة أمنية واستخباراتية متقدمة.
الاستشراف الأمني.. نحو مرحلة جديدة من الصراع الاستخباراتي أم فرصة لإعادة التوحيد الصومالي؟
في الأشهر القادمة، قد نشهد تصعيداً أمنياً: زيارة مرتقبة لعيرو إلى "تل أبيب"، اتفاقيات تجارية وأمنية، وربما محاولات لإقامة مرافق مراقبة أو تبادل استخباراتي مكثف. هذا يعني تحول أرض الصومال إلى نقطة اشتعال إقليمية، مع مخاطر تصعيد يمني أو تدخل إيراني، وتعزيز شبكة مراقبة صهيونية -إماراتية على باب المندب. لكن الاستشراف يحمل إمكانية إيجابية إذا استثمرت مقديشو في حوار وطني شامل، مدعوماً من تركيا وقطر والسعودية، لإعادة توحيد البلاد سلمياً ومواجهة التدخلات الاستخباراتية. الاعتماد على الدعم الخارجي للانفصاليين قد يؤدي إلى عزلة دولية لأرض الصومال، خاصة مع رفض الأمم المتحدة الاعتراف. المفتاح يكمن في إرادة الشعب الصومالي: هل ينجح المخطط في تمزيق الوحدة عبر شبكات أمنية واستخباراتية، أم يصبح دافعاً لتعزيزها؟ التاريخ يعلّم أن التدخلات الاستخباراتية المفروضة خارجياً غالباً ما تنهار أمام صمود الشعوب وإصرارها على وحدتها.
ختاماً، سفر "رئيس" أرض الصومال إلى دبي ليس حدثاً عابراً، بل تعبير عن مخطط أوسع يجمع بين الطموحات الإماراتية في السيطرة على الموانئ، والمصالح الصهيونية في البحر الأحمر عبر شبكة أمنية واستخباراتية متقدمة. هذا المسار يهدد وحدة الصومال واستقرار المنطقة، ويفتح أبواب التدخلات الأجنبية. على المجتمع الدولي، وعلى رأسه الدول العربية والإفريقية، رفض هذه السياسات والدفع نحو حلول سلمية تحافظ على السيادة الصومالية. الوحدة ليست رفاهية، بل ضرورة وجودية لشعب يعاني منذ عقود من التدخلات الأمنية والانقسامات.










المصدر عثمان الحكيمي
زيارة جميع مقالات: عثمان الحكيمي