سيكولوجية العقل الصهيوني..نتنياهو يضغـط زر الطوارئ..هل ينجح في إفشال اتفاق أمريكـي-إيراني؟
- عثمان الحكيمي الأثنين , 9 فـبـرايـر , 2026 الساعة 6:54:10 PM
- 0 تعليقات

عثمان الحكيمي / لا ميديا -
أعلن مكتب رئيس الوزراء «الإسرائيلي»، السبت الماضي، أن بنيامين نتنياهو سيغادر نحو واشنطن في زيارة طارئة يوم الثلاثاء 10 فبراير، ليلتقي الرئيس دونالد ترامب يوم الأربعاء 11 فبراير، في زيارة تم تقديم موعدها أسبوعاً كاملاً عن التاريخ الأصلي المخطط (18 فبراير). الزيارة ستكون خاطفة جداً، على أن يعود إلى الكيان الصهيوني يوم الخميس. وفي أعقاب هذا الإعلان المفاجئ، انفجرت التساؤلات من كل حدب وصوب: ما الذي أرغمه على تقديم الزيارة أسبوعاً كاملاً؟! ما الذي تغير؟! هل التقط نتنياهو صدى «البداية الجيدة» القادم من مسقط في المفاوضات الأمريكية-الإيرانية غير المباشرة، فاستشعر خطر اتفاق -ولو محدود- يلوح في الأفق، اتفاق قد يبقي صواريخ إيران ومحور المقاومة حياً يتنفس ويضرب ويصمد؟! أم أن الخوف الأكبر هو أن تتقدم الدبلوماسية خطوة واحدة دون علمه أو موافقته، فيهرول ليجهضها قبل أن ترى النور؟!
لا مبالغة -إذن- في القول إن هذه الزيارة ليست لقاءً عادياً، بل هي صرخة استغاثة مدوية من كيان يشعر أن الأرض تنهار تحته. فهل نتحدث فعلاً عن رحلة طارئة أطلقتها رياح المفاوضات العاتية القادمة من مسقط، حيث تجلس واشنطن وطهران -ولو بشكل غير مباشر- على طاولة واحدة؟ من هنا ينطلق هذا التحليل ليفكك دوافع نتنياهو، ومعاني التقديم المفاجئ، وضغوطه المكثفة على ترامب، ويرفع السؤال الأخطر: هل نشهد محاولة يائسة أخيرة لإجهاض اتفاق محتمل؟ أم نحن أمام التمهيد السياسي لضربة عسكرية وشيكة وإن كانت محدودة؟
سيكولوجية الاستعجال الصهيوني
أولاً وقبل كل شيء، أسبوع واحد فقط، سبعة أيام؛ ومع ذلك تبدو في نظر نتنياهو كسنوات من الكابوس المستمر! أسبوع كفيل بأن يشهد تبلور تفاهمات أمريكية-إيرانية يصعب -إن تمت- قلبها لاحقاً. صفقة «محدودة» تركز على النووي وتتجاهل عمداً الصواريخ الباليستية وحلفاء ايران. أي كارثة مؤجلة تهدد بقاء الكيان الصهيوني نفسه!
بالتالي، قرار نتنياهو الضغط على زر الطوارئ وتقديم موعد الزيارة ليس مجرد تعديل جدول زمني، بل يمثل نافذة نادرة تكشف عن سيكولوجية العقل الصهيوني. فالوقت بالنسبة له لم يعد تسلسلاً عادياً للأيام، بل تحول إلى ساحة معركة حاسمة. كلما مرت ساعة والمفاوضون الأمريكيون والإيرانيون يتبادلون إشارات إيجابية، ازدادت الخسارة الاستراتيجية للكيان الصهيوني. من هنا ينبع هذا الاستعجال الجنوني من خوف عميق متأصل في العقيدة الأمنية «الإسرائيلية»: الرعب من «الصفقة» بكل أشكالها. فبين الخوف من الاتفاق النووي المحدود، وبين الخوف الأعمق من «روح» أي اتفاق يفتح متنفساً، أيهما يسيطر على نتنياهو؟ هل سيذهب إلى واشنطن ليقول لترامب: «البداية الجيدة التي تتباهى بها هي بداية نهاية أمننا»، محاولاً إعادة صياغة مفهوم النجاح ليس بإبرام صفقة، بل بإجهاضها تماماً؟
في الوقت عينه، سبق الزيارة تنسيق عسكري لافت للنظر؛ إذ التقى رئيس أركان الجيش الصهيوني، إيال زمير، بقائد القيادة المركزية الأمريكية، براد كوبر، وتبادلا الخرائط والخطط العملياتية. فهل تكون زيارة نتنياهو مجرد حوار دبلوماسي بريء، أم أنها اللمسة الأخيرة قبل توقيع اتفاق عسكري مشترك لضربة محتملة ضد إيران؟ ورغم كل ذلك، هل ينجح المخرب التاريخي هذه المرة؟ أم ستكون إيران الصامدة هي الرد الذي يقطع الطريق عليه؟ علاوة على ما تقدم، يعتبر نتنياهو أن أي حوار يقتصر على ملف التخصيب النووي ويتجاهل الصواريخ الباليستية وشبكة الحلفاء الممتدة من غزة إلى بغداد يشكل وصفة جاهزة لكارثة مؤجلة. لذلك بالذات، فإن رحلته إلى واشنطن ليست مشاركة في حوار، بل إنه يحمل رسالة واضحة إلى ترامب، ساعياً إلى تحويل النجاح في إبرام صفقة إلى منعها نهائياً. هل يقتصر رعبه على السلاح النووي فقط؟ بالطبع لا، بل يتعداه إلى «روح» الاتفاق ذاته: يُنهي احتكاره لـ«التهديد الوجودي».
ترامب في الزاوية.. صفقة أم ضغط «إسرائيلي» لا يُقاوم؟
من ناحية أولى، يجلس دونالد ترامب وهو يؤدي رقصته السياسية المعقدة على إيقاعين متضادين تماماً. فهو «رجل الصفقات» الذي يتوق لانتصار دبلوماسي تاريخي مع إيران يمكنه استغلاله انتخابياً كدليل على قدرته على حل أعقد الملفات. اتفاق -ولو محدود- سيمنحه سلاحاً قوياً أمام خصومه. في المقابل، هو الرئيس الذي شيّد جزءاً كبيراً من هويته السياسية على الدعم غير المشروط للكيان الصهيوني، ولا يستطيع أن يبدو وكأنه يتخلى عن حليفه الأول في «الشرق الأوسط». هذا التناقض الحاد هو قلب معضلة ترامب. إنه يغازل فكرة الحوار مع طهران بينما يلوّح بعصا الضربات العسكرية المدمرة في الوقت ذاته. زيارة نتنياهو تضعه في موقف لا يحسد عليه، فهل ستجبره على الاختيار بين مواصلة حلمه الدبلوماسي الشخصي، أو الخضوع لضغط حليف استراتيجي يرفع سقف المخاطر إلى السماء؟ وبناءً عليه، قرار ترامب لن يعتمد على الحسابات الاستراتيجية وحدها، بل على معادلة دقيقة: أيهما أكثر ربحية الآن، صورة صانع السلام الكبير، أم صورة المدافع الشرس عن أمن الكيان الصهيوني؟
في ضوء المتابعة اليومية، يتضح أن الخلافات الجوهرية بين واشنطن وطهران ما زالت قائمة على حالها دون أي اختراق حقيقي. إيران لم تعلن تنازلاً عن برنامجها النووي، ولا عن حقها في التخصيب، ولا عن الصواريخ الباليستية، ناهيك عن سياستها الإقليمية الثابتة. هذا يفيد بأن جوهر الصراع لم يتغير، ولا توجد حتى الآن أرضية صلبة لاتفاق شامل. من جهة ثانية، الكم الهائل من التحركات العسكرية (نقل بطاريات «باتريوت» و«ثاد»، تفعيل المطارات العسكرية، إرسال مقاتلات إضافية وقوات) هل يُفسر كضغط تفاوضي عادي؟ أم أنه استعداد حقيقي لحرب، وليس مجرد مناورة سياسية؟
ثمة سبب آخر يستحق التوقف عنده: هل سيقبل الكيان الصهيوني التراجع إذا تراجعت الولايات المتحدة؟ بمعنى، لو قررت واشنطن تخفيف الضغط أو الانسحاب من المواجهة، هل سيتراجع الكيان الصهيوني؟ من زاوية «الأمن القومي الإسرائيلي»، أي قدرة نووية أو صاروخية إيرانية متقدمة تشكل تهديداً وجودياً، فهل يكون خيار الضربة العسكرية -في نظرهم- خياراً غير قابل للإلغاء؟ لنوسع النظرة إلى الساحة الدولية والتنافس العالمي بين القوى الكبرى (أمريكا، الصين، روسيا). ففي سياق الحرب الباردة الجديدة، لا ترغب واشنطن أن تبقى إيران ضمن معسكر الصين وروسيا. إيران تمثل دولة محورية جيوسياسياً، والهدف الأمريكي الأعمق هو سحبها من ذلك المحور وإعادة ترتيب موقعها في التوازنات الدولية؛ هدف يفوق بكثير مجرد الملف النووي.
استشراف المستقبل وائتلاف الظل
في ضوء كل ما سبق، يلوح في الأفق أن المنطقة تتجه نحو مرحلة مصيرية ستحدد معالم التوازن الإقليمي لسنوات طويلة قادمة. إذا اندلعت الحرب، فلن تقتصر تداعياتها على إيران وحدها. الضربة المحتملة لن تكون مجرد صدام ثنائي بين أمريكا والكيان الصهيوني من جهة وإيران من جهة أخرى. ما يُرسم في الغرف المغلقة هو ائتلاف غير مسبوق: الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في الدور الهجومي الرئيسي. هل فشل المفاوضات سيمنح ترامب الغطاء السياسي الذي يبحث عنه ليقول لحلفائه: «استمعنا لكم، تفاوضنا، لكن إيران رفضت التراجع»؟ في الوقت نفسه، يستمر الجسر الجوي الضخم لنقل أنظمة الدفاع الجوي (باتريوت، ثاد) إلى المنطقة، وتحويل قواعد مثل «رامشتاين» في ألمانيا إلى مراكز لوجستية تعمل 24 ساعة. كل ذلك يهدف إلى بناء مظلة دفاعية حديدية تحمي القواعد والحلفاء، ما يتيح للجناح الهجومي حرية حركة أكبر بكثير.










المصدر عثمان الحكيمي
زيارة جميع مقالات: عثمان الحكيمي