إشكالية العقل المؤسسي في اليمن ..اليمن بين ثراء الرؤى وعجز الأثر.. لماذا تعجز مؤسساته عن استثمار ثروته المعرفية؟
- عثمان الحكيمي السبت , 13 يـونـيـو , 2026 الساعة 8:53:16 PM
- 0 تعليقات

عثمان الحكيمي / لا ميديا -
لا تبدو المشكلة في اليمن ناتجة عن ندرة الأفكار أو قصور في التشخيص، بل في المصير الذي يلقاه ما يُكتب حين يصل إلى دوائر القرار. فالمثقفون والصحفيون والباحثون والأكاديميون لا يتوقفون عن التحليل والاقتراح وهناك طاقة فكرية تعمل بلا توقف على قراءة المشكلات واستشراف المخارج الممكنة غير أنّ هذه الطاقة الهائلة كثيرًا ما تضيع في مسالك القرار، ولمصيرها أشكال متكررة لا تكاد تتغير. إذ يتوزع مصير ما يُنتج على أربع صور: إمّا ألا يُقرأ أصلًا، أو يُقرأ ثم يُتجاهل، أو يُستحسن لفظيًا ثم يُترك بلا تنفيذ، أو يُقابل بالرفض الصريح؛ رفضٍ قد يكون واعيًا هروبًا من تبعات الإصلاح، أو متذرعًا بأوهام وحجج، أو ناتجًا عن تهرّب من المسؤولية.
إن المعضلة الحقيقية لا تكمن في أن نعرف، بل في أن تنفصل المعرفة عن الفعل؛ فالمعرفة بلا قرار حكيم تظل ناقصة الثمرة، والقرار بلا معرفة واعية لا يكون إلا حركةً في الظلام. وحين تُحاصر الكلمة في فضاء القول، ويُعزل القرار عن بصيرته، تتحول الأزمة من قضية تُحلّ إلى واقعٍ يُدار.
في البلدان التي تتراكم فيها الأزمات، لا تعود الاستجابة للأفكار ترفاً فكرياً، بل شرطاً وجودياً للبقاء السياسي والإداري. إن مجتمعات الأزمات لا تُهزم حين تغيب المعرفة فقط، بل حين تعجز عن تحويلها إلى فعل؛ فالبنية التي يُفترض بها أن تصغي وتستجيب، باتت تستهلك طاقاتها في مجاملة الواقع لا تغييره، وفي الإنصات الشكلي لا الإصلاح الحقيقي، وما بين قراءةٍ لا تُترجم وإهمالٍ يعقبها، وما بين إعجابٍ عابرٍ وتجميدٍ متعمدٍ للحلول، تُهدر فرصٌ لن تعود، كانت كفيلةً بتخفيف وطأة ما نعيشه وفتح أفقٍ لما يمكن أن يكون.
لقد انحدرت بعض دوائر القرار إلى دورٍ هامشيٍّ عقيم؛ فميَّعت معنى القرار، بدل التأثير فيه وتوجيه مساراته؛ حتى غدت لا تختلف في جوهرها عن قارئٍ يضع خطوطًا تحت الكلمات المهمّة، ثم يغلق الكتاب.. ويمضي.
الرؤى طريق اليمن إلى النهضة
متى تدرك دوائر القرار في اليمن أن نهضة الأمم تنبثق من كفاءة مؤسساتها في التعامل مع المدخلات المعرفية؛ فالكلمة الجادة والصادقة ليست مجرد استعراضٍ بلاغي يُقال ثم يُنسى، بل هي مادةٌ خام لصناعة السياسات حين تمتلك المؤسسات القدرة على التعامل معها بوصفها مادةً للفهم وصناعة القرار. فحين تصل الرؤى الفكرية التي ينتجها المثقفون والباحثون إلى صنّاع القرار، ينبغي ألا تُقرأ بوصفها تعليقًا عابرًا أو رأيًا إضافيًا، بل باعتبارها مؤشّرًا على خللٍ يحتاج إلى معالجة، أو فكرةً قابلةً للتحول إلى سياسة، أو تحذيرًا يستحق التوقف عنده، فهي ضرورة استراتيجية وجودية تفرضها أزماتٌ متراكمة وتحدياتٌ وجودية. أما حين تتحول الجهات المعنية إلى جدارٍ أملس لا يلتقط من الكلام إلا ما يلمع لفظيًا، فإنها لا تكتفي بإهمال المعرفة، بل تُفرغها من وظيفتها الأساسية، وتحوّل الوعي العام إلى ديكورٍ لغوي داخل خطاب رسمي منفصل عن الواقع. إن الإصغاء الحقيقي ليس مجاملةً للنخبة، بل مسؤولية سياسية وأخلاقية؛ لأن الدولة التي لا تتفاعل مع ما يكتبه أبناؤها تفقد شيئًا من قدرتها على رؤية نفسها كما هي، لا كما ترغب في أن تكون. وعند هذه النقطة، لا تعود المشكلة مجرد اختلافٍ في الرأي، بل اختلالًا في المصير، حيث تمضي الكلمة في اتجاه، وتمضي القرارات في اتجاه آخر،تتسع الهوة بين الفكرة والفعل، وبين التشخيص والعلاج.
اليمن وحاجته إلى قنوات ربط مؤسسية
إن تحويل الإنتاج المعرفي الوطني، بما يشمله من رؤى وأفكار ومبادرات ودراسات وأبحاث وتوصيات ومشاريع إصلاحية وانتقادات بنّاءة وقراءات نقدية للواقع، إلى واقعٍ عملي، يتطلب أولًا كسر الحاجز التقليدي بين من يطرح تلك الرؤى وصنّاع القرار، عبر إيجاد قنوات ربط مؤسسية تتجاوز البيروقراطية. فالمشكلة الأساسية في اليمن ليست في ندرة الأفكار، بل في غياب بنيةٍ مؤسسية قادرة على استيعابها واحتواها وتحويلها إلى فعلٍ حقيقي على الأرض. واليمن لا يعاني من شُحّ الأفكار بقدر ما يعاني من فراغٍ مؤسسي يبتلع ما يُقترح، ولا يعيد منه في الغالب شيئًا ذا أثر. الوزارات موجودة، لكن الأثر يكاد يكون معدومًا.
وتشير تجارب النهوض في دول عديدة إلى أن القيادة السياسية والمؤسسات العامة هناك لم تكتفِ بقراءة ما يُنشر، بل أنشأت مجالس استشارية مصغّرة، ولجانًا متخصصة، ومراكز ملحقة مباشرة برأس الهرم الإداري. وفي هذه النماذج، لا تمرّ الأفكار عبر أدراج الوزارات والمؤسسات، بل تتحول مباشرة إلى مسودات سياسات تخضع للنقاش المؤسسي الملزم.
إننا بحاجة اليوم إلى أن نجعل للإصغاء موقعًا في هندسة القرار، وأن نحوِّله من فضيلةٍ شخصية إلى وظيفةٍ عامة عبر صياغة بروتوكول حكومي يفرض على المؤسسات السيادية والخدمية فحص الإنتاج المعرفي الوطني بانتظام، وتحويل التوصيات المكتوبة في المجالات السيادية كالأمن القومي والدفاع الوطني والسياسة الخارجية والأمن السيبراني، والمجالات التنموية كالاقتصاد والبنية التحتية والطاقة والأمن الغذائي والمائي وسوق العمل، والمجالات المؤسسية كالحوكمة والتشريع وسيادة القانون والإدارة المحلية ومكافحة الفساد،والمجالات الاجتماعية والإنسانية كالتعليم والصحة والمرأة والشباب والعدالة الاجتماعية وإدارة التنوع، والمجالات المعرفية والثقافية كالبحث العلمي والإعلام والهوية الوطنية والثقافة والدبلوماسية الناعمة والرياضة والسياحة، فضلاً عن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والبيئة والتغير المناخي، إلى خطط تنفيذية مؤطرة بزمن. وما لم يُرسَّخ هذا النهج المؤسسي، ستبقى الأفكار مجرد صرخات في وادٍ سحيق، وستواصل مؤسسات القرار تكرار أخطائها، لافتقارها إلى آلية مرنة تلتقط الوعي وتحوله إلى تشريعات وتدابير إدارية تحمي الدولة والمجتمع من العشوائية والارتجال.
قوة الدولة في سعة أفقها
وفي هذا الصدد إن قوة الدولة لا تُقاس بما تستحدثه من هياكل شكلية فقط، بل بما تمتلكه من سعة أفقٍ يتيح لها الإصغاء إلى المعرفة وتحويلها إلى فعل. فبناء المؤسسات لا يكتمل بإصدار البروتوكولات تنظيمية أو إنشاء الوحدات الإدارية الجديدة فحسب، بل يتطلب قبل ذلك تحولًا أعمق في الثقافة الإدارية التي تضبط العلاقة بين القرار والمعرفة. ففي كثير من الأحيان، لا تُرفض الأفكار لضعفها، وإنما لأنها تأتي من خارج الدوائر الضيقة لصناعة القرار، أو لأنها تُستقبل بوصفها نقدًا ينبغي التحفظ منه، لا فرصةً للتصحيح والتطوير. والحقيقة أن الدول التي نجحت في تجاوز أزماتها لم تكن أكثر ذكاءً أو ثراءً بقدر ما كانت أكثر تواضعًا في الإصغاء، وأوسع أفقًا في استيعاب الاختلاف؛ إذ تعاملت مع الرأي المخالف بوصفه موردًا للتحسين، ومع الخبرة الوطنية باعتبارها أصلًا استراتيجيًا يُستثمر لا يُحيد.
ومن هنا، لن يتمكن اليمن من الاستفادة من ثروته المعرفية ما لم تتجذر في مؤسساته قناعةٌ راسخة بأن قوة الدولة لا تُقاس بقدرتها على الاستئثار بالقرار، بل بقدرتها على توسيع دوائر المشاركة فيه، وإشراك الطاقات والكفاءات في صناعة المستقبل، واستيعاب العقول المختلفة، وفتح النوافذ أمام النقد البنّاء، وتحويل تنوّع الرؤى إلى طاقةٍ جماعية تُصحِّح المسار، وتوسِّع أفق الممكن، وتفتح المستقبل على احتمالاتٍ أكثر ثراءً.
ختاما، ليست النخبة هي صاحبة القرار التنفيذي، ولا يمكن أن تُحمَّل وحدها تبعة ما لا تملكه من أدوات، لكنها تظل مسؤولة عن تقديم الرؤية والتشخيص والاقتراح. أما تحويل المعرفة إلى فعل فذلك من صميم مسؤولية الجهات التي تملك القرار؛ إذ ينبغي لها أن تختبر الأفكار، فتتبناها أو تراجعها وفق معايير المصلحة العامة. أما أن تظل الرؤى تُقدَّم، والمقترحات تُطرح، ثم لا يترتب على ذلك أثر، فذلك ليس إلا إدارةً للأزمات لا تجاوزًا لها. إن اليمن يحتاج إلى مؤسسات تمتلك الشجاعة الكافية للإصغاء، والحكمة الكافية للاختيار، والإرادة الكافية لتحويل المعرفة إلى فعل. فالأمم لا تنهض بما تعرفه فحسب، بل بما تمتلكه من قدرة على العمل بما تعرف.










المصدر عثمان الحكيمي
زيارة جميع مقالات: عثمان الحكيمي