اتفاقٌ معلن وملحقٌ خفي.. لبنان بين السيادة والهندسة الأمنية
- عثمان الحكيمي السبت , 4 يـولـيـو , 2026 الساعة 12:05:30 AM
- 0 تعليقات

عثمان الحكيمي / لا ميديا -
لم يكن المشهد الإقليمي بحاجة إلى مزيد من الشواهد كي يثبت أن مسارات التفاوض والاتفاقات في "الشرق الأوسط" لا تُحسم بنصوصها المعلنة، بقدر ما تُصاغ مصائرها في الهوامش والملاحق التي توضع بعيدًا عن أضواء الصحافة والضمانات وآليات التنفيذ. وفي هذا السياق، يأتي "الاتفاق الأخير" بين لبنان والكيان الصهيوني برعاية أمريكية ليؤكد هذه القاعدة الاستراتيجية: "الاتفاقات في الشرق الأوسط لا تُقرأ من سطورها الأولى فقط، بل من الهوامش والملحقات والتسريبات التي تُلمّح أكثر مما تُصرّح". فجوهر الترتيبات الأمنية يُصاغ بعيدًا عن عدسات الإعلام ومساءلة الرأي العام. وبينما كانت الدوائر الرسمية في لبنان تسوّق التفاهمات على أنها صيغة لاستعادة السيادة والاستقرار، تكشف المخرجات المسرّبة في الأروقة العبرية والأمريكية عن هندسة أمنية معقدة تُدار خلف الأبواب المغلقة، حيث لا تُقال كل الحقائق في البيان الرسمي، ولا تُكشف كل الشروط في النص المنشور. نصٌّ يُقرأ على الملأ، وملحقٌ يُخفى عن القارئين، ولبنان وحده من بقي يصدّق أن الستار سيُسدل عند هذا الحد.
الملحق السري وفخ التوقيت
تُجمع التسريبات الواردة من القنوات العبرية، ولا سيما القناة "12"، على أن الملحق الأمني السري المرفق بالاتفاق يمثل الجوهر الحقيقي للترتيبات الميدانية، حيث نجحت "تل أبيب" في فرض مبدأ "الانسحاب المشروط بالتقييم لا بالتوقيت". فهل أصبح الخروج "الإسرائيلي" من القرى الجنوبية خاضعًا لجدول زمني آلي تصاعدي، أم بات معلقًا بمدى التحقق الفعلي لمحاولة تفكيك البنية التحتية والمنظومات العسكرية التابعة لحزب الله؟ هذا الربط الهيكلي يحول العملية الإجرائية إلى أداة ابتزاز سياسي وميداني مستمرة، حيث تحتفظ "تل أبيب" بحق تقييم مدى "الإنجاز" على الأرض، مما يمنحها القدرة على تجميد أي انسحاب أو ربطه بمدى استجابة الأجهزة الأمنية الرسمية اللبنانية للملحق السري، وهو ما يفرغ التعهدات الدولية العلنية بالانسحاب السريع من مضمونها الإجرائي.
شرعنة "حرية العمل".. اختراق السيادة بغطاء أمريكي
يتجلى أخطر بنود الملحق الأمني في ما يُعرف بـ"حرية العمل"، المدعومة برسالة ضمانات أمريكية، والتي تمنح "الجيش الإسرائيلي" هامشًا واسعًا لتنفيذ عمليات عسكرية داخل ما يُسمى "الخط الأصفر" عند رصد ما يصفه بتهديدات ناشئة أو محاولات لإعادة بناء القدرات العسكرية. وتتجاوز خطورة هذا البند مجرد السماح بعمليات عسكرية؛ إذ إنه يعيد تعريف مفهوم السيادة اللبنانية نفسها، بحيث يصبح قرار استخدام القوة مرتبطًا بالتقدير الصهيوني أكثر من ارتباطه بالمرجعيات الدولية أو بالتفاهمات المعلنة. وبذلك، لا يعود السؤال متى تقع الضربة المقبلة، بل من يمتلك حق تقرير مشروعيتها. إن هذه الصيغة لا تكتفي بانتزاع المبادرة الأمنية من يد الدولة اللبنانية، بل تؤسس لقواعد اشتباك جديدة تحظى بغطاء واشنطن، وتجعل من أجواء الجنوب وأراضيه ساحة مفتوحة للاستباحة العسكرية تحت ذريعة الدفاع الاستباقي عن النفس.
وعلى المستوى الجغرافي، يكشف الملحق عن "تكتيك إسرائيلي" يعتمد على نظام "المناطق التجريبية"، وهو ما يفسر حصر انتشار الجيش اللبناني في المرحلة الأولى ضمن نطاق ضيق ومحدد جغرافيًا، كما جرى التلميح إليه في بلدات لبنانية. هذا الانكفاء والتقييد الجغرافي يعكسان رغبة "تل أبيب" في اختبار كفاءة القوات الرسمية اللبنانية، كما أن الجغرافيا الجنوبية ستتحول إلى مساحات اختبار، وستصبح عودة السكان وانتشار مؤسسات الدولة رهينة تقارير التقييم الأمني، بما يفرض واقعًا ميدانيًا جديدًا قد يمتد لسنوات إذا تعثرت مراحل التنفيذ. كما أن الاختبار لا يقتصر على جاهزية الجيش اللبناني، بل يقيس أيضًا قدرة الدولة على إعادة احتكار القوة وفق المعايير التي يفرضها الاتفاق.
الصدام المؤجل
يضع الملحق الأمني السري الدولة اللبنانية ومؤسستها العسكرية أمام معادلة داخلية بالغة الحرج والتعقيد، إذ يُحملها بوضوح مسؤولية منع أي مظهر مسلح جنوب نهر الليطاني وتفكيك أي مصانع أو مستودعات تابعة للمقاومة. هذا التكليف، الذي يأتي بضغط أمريكي مباشر ومشروط بتلقي الدعم والتدريب، ينطوي على رغبة واضحة في دفع الساحة اللبنانية نحو مواجهة داخلية أو صدام مؤجل بين الجيش اللبناني والبيئة الحاضنة للمقاومة. إن محاولة فرض هذه الشروط التعجيزية على دولة تعاني من شلل سياسي وانهيار اقتصادي يعكس قصورًا في فهم التوازنات اللبنانية، أو ربما يعبر عن رغبة متعمدة في إبقاء الساحة اللبنانية تحت وطأة الضغط المستمر لضمان عدم استعادة عافيتها الاستراتيجية.
وبهذه الصيغة، لا يصبح الاتفاق مدخلاً لإنهاء الصراع، وإنما إطارًا لإدارته وفق قواعد جديدة تمنح أحد الأطراف هامش المبادرة العسكرية، بينما تُحمّل الطرف الآخر مسؤولية إثبات التزامه بصورة مستمرة، وهو ما يجعل ميزان القوة الميداني أكثر حضورًا من النصوص السياسية نفسها.
حين يرفض النصف ما وقّعه النصف الآخر
لم تنتظر بيروت طويلًا لتكشف عن حجم الصدع. فبيان الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، جاء كاشفًا لا معلّقًا، حين وصف الاتفاق بأنه "مذلة وعار وتنازل عن السيادة"، معتبرًا إياه "منعدم الوجود" لا يملك أي شرعية وطنية، ومطالبًا بالعودة إلى مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية بوصفها المرجعية الوحيدة. واللافت أن الأمين العام لحزب الله لم يكتفِ بالرفض السياسي، بل ربط الاتفاق بمسار دستوري متنازع عليه، متهماً السلطة بخوض مفاوضات مباشرة "بخصومة مع أكثر من نصف الشعب اللبناني". من جهتها، أعلنت حركة أمل رفضها، واصفة الاتفاق بأنه غير متوازن، ومحذرة من الانجرار إلى مشاريع فتنة داخلية. وحتى وليد جنبلاط، البعيد عن محور المقاومة، وصف الاتفاق بعبارة لافتة: "ثلاثي شكلًا، أحادي مضمونًا". وفي المقابل، يصرّ الرئيس جوزيف عون على تقديمه باعتباره "خطوة أولى على طريق استعادة لبنان سيادته كاملة غير منقوصة". وهكذا يقف لبنان أمام مفارقة موجعة: نص واحد، يُقرأ من موقعين متناقضين، ودولة توقّع باسم السيادة بينما يتهمها جزء كبير من شعبها بأنها وقّعت على التفريط بها.
التفاهمات الموازية
لا يمكن قراءة هذا الملحق بمعزل عن الحراك الإقليمي الواسع، ولا سيما القلق "الإسرائيلي" المتصاعد من إمكانية وجود تفاهمات موازية بين واشنطن وطهران تتعلق بالتهدئة الشاملة في المنطقة. وتخشى الدوائر الأمنية الصهيونية أن تضغط إيران، عبر مذكرات التفاهم الإقليمية، على إدارة ترامب من أجل تجاوز تفاصيل هذا الملحق السري وفرض انسحاب كامل وغير مشروط. هذا التوجس يدفع "تل أبيب" إلى التمسك الحرفي ببنود الملحق السري كخط دفاع أخير. وفي المقابل، ترى أطراف لبنانية أن الاتفاق قد يفتح الباب أمام انقسامات داخلية حول آليات تنفيذه ومستقبل سلاح حزب الله.
في النهاية، لا يُقاس الاتفاق بما أُعلن في واشنطن، بل بما بقي طي الكتمان. وحين يصبح الهامش أصدق من المتن، والملحق أقوى من الاتفاق، فإن السؤال الحقيقي لم يعد عن مصير الجنوب وحده، بل عن مصير دولة تختار أن توقّع سيادتها بحبر سري، وتترك لشعبها أن يقرأ الباقي من التسريبات.










المصدر عثمان الحكيمي
زيارة جميع مقالات: عثمان الحكيمي