قراءة في مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية.. هدنةٌ مؤقتة أم بوابةٌ إلى تسويةٍ أوسع؟
- عثمان الحكيمي الأربعاء , 17 يـونـيـو , 2026 الساعة 4:27:20 AM
- 0 تعليقات

عثمان الحكيمي / لا ميديا -
في أجواء مشحونة بالتوترات الإقليمية والدولية، برزت خلال اليومين الماضيين تطورات دبلوماسية مهمة تمثلت في الإعلان عن مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران. هذه المذكرة، التي توسطت فيها دول مثل باكستان وقطر، تثير جملة من التساؤلات: هل هي خطوة نحو سلامٍ حقيقي؟ وهل تمثل تراجعاً أمريكياً اضطرارياً بعد فشل الرهان على القوة العسكرية، أم محاولة أمريكية جديدة لإعادة صياغة الضغط في قالب دبلوماسي أقل صخباً؟ ثم ماذا؟
هل تلبي مذكرة التفاهم الإيرانية -الأمريكية تطلعات الشعب الإيراني، وتعكس صموده وثبات قيادته أمام الضغوط والحصار؟ أم أنها مجرد ورقة تفاوضية عابرة، وانعكاس لتحول في إدارة الصراع لا لإنهائه بالضرورة، ومحاولة لخفض التصعيد وسط بيئة إقليمية شديدة الاضطراب؟ تشير المعطيات المنشورة إلى أن المذكرة تركز على إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، ورفع القيود المفروضة على الحركة البحرية الإيرانية، والإفراج عن الأصول المجمدة، وتخفيف العقوبات ضمن إطار زمني تفاوضي محدد.
بين التفاؤل والحذر.. قراءة واقعية لمذكرة التفاهم
ما بين التفاؤل المشروع والحذر الواجب، تبرز الحاجة إلى قراءة واقعية لمذكرة التفاهم، بعيداً عن الأحكام المتعجلة. فالمقاربة الواقعية في العلاقات الدولية تنطلق من فرضية مفادها أن الثقة بين الفاعلين السياسيين ليست معطىً ثابتاً يُفترض وجوده ابتداءً، بل تُبنى تدريجياً عبر اختبار النوايا وتطابق السلوك مع الالتزامات المعلنة. لذلك، لا تُقاس قيمة الاتفاقات بما يصاحبها من تصريحات إيجابية أو أجواء احتفالية، وإنما بمدى قدرتها على الصمود أمام اختبارات التنفيذ، وتجاوز تضارب المصالح وحسابات القوى.
ومن هذا المنطلق، تبقى جميع التساؤلات قائمة ومشروعة: هل تشكل مذكرة التفاهم مدخلاً إلى تسوية نهائية تعالج جذور الأزمة وتؤسس لاستقرار مستدام، أم أنها ليست سوى هدنة سياسية وأمنية مؤقتة فرضتها اعتبارات الظرف الإقليمي وتوازنات القوى؟ غير أن التساؤلات لا تتوقف عند حدود ما إذا كانت هذه المذكرة تمثل هدنة مؤقتة أو مدخلاً إلى تسوية أوسع؛ فهل تستطيع تجاوز إرث عقود طويلة من انعدام الثقة والعداء المتبادل بين واشنطن وطهران؟ وما الثمن السياسي الذي قد يدفعه كل طرف داخلياً للحفاظ على هذا المسار والمضي فيه؟ وهل يكفي توافق الطرفين لضمان نجاح هذه التفاهمات واستمرارها، أم أن مصيرها سيظل رهناً بحسابات قوى إقليمية ودولية أخرى ترى في نجاحها فرصة لتعزيز الاستقرار، أو تهديداً لمصالحها ونفوذها؟ ومن هم الرابحون والخاسرون الحقيقيون من هذا التفاهم؟ وهل سيكون بداية لإعادة تشكيل توازنات المنطقة، أم مجرد استراحة مؤقتة في صراع لم تُحسم أسبابه بعد؟ وحتى يقدم الواقع إجابته العملية، تظل مذكرة التفاهم موضوعاً للاختبار وقياس القدرة على الالتزام، أكثر من كونه إنجازاً مكتمل الأركان يستدعي الاحتفاء المبكر به.
خلفية مذكرة التفاهم
لم يأتِ هذا المسار من فراغ، بل سبقه شد وجذب طويل بين ضغط عسكري وعدوان أمريكي -صهيوني على ايران وتهديدات سياسية ومباحثات متقطعة، قبل أن تظهر صيغة مذكرة تفاهم تُسوَّق على أنها مخرج عملي من الانفجار المفتوح. التقارير المنشورة في الأيام الماضية أشارت إلى أن المفاوضات تحركت من مرحلة الغموض إلى المرحلة النهائية، مع بقاء نقاط حساسة عالقة، من جهة أخرى الإشارات إلى جنيف ومراسم التوقيع المحتملة يوم الجمعة في الحقيقة تعكست رغبة في منح المذكرة طابعًا دبلوماسيًا منضبطًا، لكن لا يمكننا إغفال أن المسافة بين النص السياسي والقبول العملي بقيت واسعة. فهل هذا النوع من التفاهمات غالبًا ما يُستخدم لشراء الوقت، وامتصاص الضغط، أم فتح قناة تواصل أوسع بدل الذهاب إلى مواجهة مباشرة؟ أكثر ما جذب الانتباه البنود الشائكة ومرحلة الستين يوماً. فهل تكفي؟
ماذا تريد واشنطن.. من الحرب إلى الحصار إلى التفاهم المسموم
تكمن المشكلة الأساسية في واشنطن، خلال كل جولات مباحثاتها ومفاوضاتها، في أنها لا تبحث عن سلامٍ متكافئ بقدر ما تسعى إلى إبرام صفقات تعيد ترتيب ميزان القوة بما يخدم مصالحها ويكرّس تفوقها. ومن هذا المنطلق، لا يمكن قراءة مذكرة التفاهم خارج سياق القذارة السياسية التي تمارسها واشنطن؛ فالأمريكيون لا يدخلون أي اتفاق بوصفهم طرفًا يريد إنهاء الأزمة، بل بوصفهم قوة تريد إخضاع الآخر، فالابتزاز من وجهة نظرهم تفاوض، والحصار دبلوماسية.
إن من يراقب السلوك الأمريكي يدرك أن واشنطن لا تتخلى عن خبثها؛ فالقذارة السياسية هنا ليست مجرد صفة، بل هي منهج عمل. فإذا عجزت عن الحرب المباشرة لجأت إلى العقوبات، وإذا فشلت العقوبات لجأت إلى الحصار المباشر القاسي، ثم إلى التفاهمات المسمومة. هكذا تعمل أمريكا: تخلق الأزمة، تستثمرها، ثم تتاجر بحلها. يتحدث الأمريكي بلغة السلام، وهو يُخفي في جيبه أدوات الهلع، ويبتسم في العلن بينما يواصل خنق خصمه في الخفاء. ومن يظن أن أمريكا قادرة على تغيير جلدها ينسى أنها بارعة فقط في تغيير الأقنعة، أما الجوهر فهو نفسه: هيمنة وابتزاز، ثم ابتزاز بوجهٍ أكثر تهذيبًا.
مذكرة التفاهم وحسابات طهران الاستراتيجية
أما إيران فتبدو، وفق ما نُشر في تقارير متعددة، حريصة على تحويل المذكرة إلى اعتراف بقدرتها على الصمود أمام التصعيد الأمريكي -الصهيوني، وعلى انتزاع مكسب يخفف الضغط الاقتصادي والسياسي الخانق عنها. طهران تعي جيداً أن رفع العقوبات، ولو جزئياً، مع الإفراج عن جزء من الأصول المجمدة والإعفاءات النفطية المؤقتة، سيمنحها متنفساً حيوياً يسمح بتعزيز هامش الحركة الاقتصادية، مع الحفاظ على سيادتها الاستراتيجية في إدارة الممر الحيوي. وفي الوقت نفسه، تحرص طهران على تأييد الرواية الداخلية القوية أنها لم تتنازل عن جوهر حقوقها السيادية، بل دخلت التفاوض من موقع الندية والقوة لا من موقع الضعف أو الإملاء. لهذا تبدو المذكرة بالنسبة إليها أداة ذكية لإدارة الأزمة الصراع الاستراتيجي، لا لإعلان نهاية مع الاستعداد الواعي للمرحلة الثانية من المفاوضات بما يحفظ مصالحها الوطنية العليا. هذا النهج يعكس حكمة القيادة الإيرانية في تحويل الضغوط الخارجية إلى فرص، مستفيدة من صمود الشعب الإيراني ودعم حلفائها، ومؤكدة أن الاتفاق ليس استسلاماً بل خطوة تكتيكية في معركة أطول.
السيناريوهات المقبلة
يمكن قراءة مستقبل مذكرة التفاهم ضمن ثلاثة مسارات رئيسية محتملة، لا تعمل بمعزل تام عن بعضها بقدر ما تتداخل وفق تطورات الميدان السياسي. السيناريو الأول يتمثل في نجاح نسبي في تثبيت تهدئة قابلة للاستمرار، بما يؤدي إلى خفض منسوب التوتر، وتحسين تدريجي في حركة الملاحة، وفتح المجال أمام مسار تفاوضي أكثر عمقاً وتفصيلاً حول الملفات العالقة، بما في ذلك القضايا الأمنية والاقتصادية. أما السيناريو الثاني فيرتبط بتعثر آليات التنفيذ نتيجة الخلاف حول تفسير البنود أو حدود الالتزام بها، وهو ما قد يعيد إنتاج أجواء الشك المتبادل، ويحوّل الاتفاق نفسه إلى نقطة توتر جديدة بدل أن يكون أداة للتهدئة. في حين يقوم السيناريو الثالث على فكرة الهدنة التكتيكية المؤقتة، حيث يُستخدم التفاهم كمرحلة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأوراق، قبل أن تعود الأزمة إلى الواجهة مجدداً بعد استنفاد المكاسب السياسية الآنية أو تغيّر حسابات الأطراف الفاعلة. في حين يبقى السيناريو الرابع (المركب) مطروحاً حيث يؤدي أي تصعيد محدود مفتعلًا إلى نسف الثقة الهشة بين الأطراف، مما يعطل مسارات التفاهم. يكتسب هذا السيناريو زخمًا بفعل تدخلات «إسرائيلية» استباقية تهدف إلى إجهاض الاتفاق عبر الضغط العسكري، وهو ما يضع الأطراف الإقليمية أمام اختبار حقيقي، إذ قد تندفع دول حليفة لإعادة تقييم اصطفافاتها؛ قد يؤدي هذا التوتر إلى تفكك الائتلافات الإقليمية القائمة.










المصدر عثمان الحكيمي
زيارة جميع مقالات: عثمان الحكيمي