«الزمن الجميل».. هـــل كـــان جميــــلاً حقـــاً؟! الحلقة 84
- مروان ناصح الثلاثاء , 20 يـنـاير , 2026 الساعة 12:02:23 AM
- 0 تعليقات

مروان ناصح / لا ميديا -
رجال الدين.. بين الطهر والسياسة
في الزمن الجميل، كان رجل الدين كالنخلة الباسقة، يهب الناس ظلّه وثمره، ولا يطلب منهم إلا نظرة تقدير صامتة.
لم يكن يلوّح بعصا السلطان، ولا يطمع بكرسي الحكم، بل كان يمشي بينهم كالسراج في ليلٍ طويل، يضيء ولا يحترق، ويُرشد دون أن يفرض.
لقد كان الدين يومها نهراً رقراقاً يروي العطشى، لا سيلاً جارفاً يهدد البنيان.
1
كان شيخ الحارة يُشبه الجدّ الحكيم، الذي يحمل في عينيه أرشيف القرون، وفي صوته تراتيل السكينة.
حين يطلّ من بابه، يهدأ الصخب، وحين يجلس في مجلسه، يتناثر الحديث كزهور ربيعٍ متأخر.
لم تكن عمامته أو طيلسانه زينة، بل علامة عهد مع الله، ولا كانت جُبّته ثوباً، بل ستراً للروح.
2
كانوا يدخلون البيوت كما يدخل النسيم نوافذ الصباح؛ بلا ضجيج ولا استئذانٍ ثقيل، يطرقون القلوب قبل الأبواب، ويزرعون في النفوس بذور طمأنينة تبقى بعد رحيلهم. لم تكن فتاواهم كالرصاص، بل كانت كالندى، تُبلل عطش الأرواح وتترك أثراً شفيفاً من الرحمة.
3
لقد علّموا الناس أن الصلاة لا تقف عند حدود السجادة، بل تفيض إلى الأسواق والطرقات، إلى البيع والشراء، إلى الكلمة الصادقة والمصافحة النقية.
كانوا يذكّرون الناس أن الله أقرب من همسة، وأن الدين لا يُختصر في نصٍّ جاف، بل يُتجسّد في سلوك يومي يليق بكرامة الإنسان.
4
أما السياسة فقد تركوها لأهلها، عارفين أن وحلها يُفسد بياض الجُبّة.
كانوا يقولون: "من صعد المنبر لا يليق به أن يهبط إلى دهاليز القصور".
لقد فهموا أن الدين إذا صار سيفاً في يد حاكم، خسر بهاءه، وأن الحكمة إن استُخدمت مطيّةً للسلطة، ذبلت وانطفأت.
5
كانوا شهوداً على العدل، لا شركاء في الظلم.
يذكّرون الحاكم بما له وما عليه، ثم يعودون إلى مساجدهم ليغسلوا أرواحهم من غبار البلاط.
كانوا يدركون أن التمايز الحقيقي ليس في لقبٍ يُمنح، ولا في سلطةٍ تُعطى، بل في قلوبٍ تُحبّهم وتُصغي إليهم كمن يُصغي لنداء ضمير.
6
كم نحتاج اليوم إلى استعادة ذلك الصفاء! ففي عالمٍ يتنازع فيه الساسة على الكراسي كما يتنازع الغرقى على قشة، يجب أن يبقى صوت الدين أشبه بأجراسٍ معلقة في الأعالي، تنبهنا إلى الطريق، لا أن يختلط بدويّ المعارك.
يجب أن يبقى مرشداً للعدل لا درعاً للاستبداد، وصوتاً للضمير لا أداة في يد السلطة.
7
الدين في جوهره قصيدة سماوية، لا يليق بها أن تُختصر في مرسوم، ولا أن تُساق في موكب السياسيين.
إنه نهرٌ أبديّ، لا يعترف بالحدود ولا بالمصالح.
ومن يخلط بينه وبين الكرسي، يسيء للاثنين: يُبهت النور، ويشوّه الكرسي.
خاتمة:
هكذا كان رجال الدين في الزمن الجميل: أشجاراً للظلّ، لا جدراناً للسجن؛ نسائم للروح، لا سيوفاً على الرقاب؛ صوتَ الله في الأرض، لا صدى الحاكم في المنابر... وما أجمل أن نستعيد تلك الصورة اليوم، إذ يُترك للدين أن يسمو بالروح، وللسياسة أن تُدار بالعقل، فلا يختلط المقدّس بالمدنّس، ولا ينكسر المصباح في وحل الطريق.
وكأن لسان الزمن يهمس لنا: دعوا الدين طهراً في القلوب، لا ورقةً في يد الملوك.
فالنور لا يحتاج عرشاً كي يضيء، بل قلوباً صافية ليسكنها.










المصدر مروان ناصح
زيارة جميع مقالات: مروان ناصح