«الزمن الجميل».. هـــل كـــان جميــــلاً حقـــاً؟! الحلقة 93
- مروان ناصح الأربعاء , 4 فـبـرايـر , 2026 الساعة 12:15:19 AM
- 0 تعليقات

مروان نــاصح / لا ميديا -
المجلات الثقافية.. حين كان المثقف يهمس والمجلات تتبرأ
في "الزمن الجميل" كانت المجلات الثقافية تشبه المرايا المعلّقة في ممرّ طويل من الضوء المصفّى.
تراها أنيقة، مصقولة الحواف، لكنّك إن اقتربتَ منها رأيتَ على سطحها غبار الخوف، ورأيتَ صورة المثقف لا كما هو، بل كما يُسمح له أن يكون.
كانت الكلمات تمشي على رؤوس أصابعها، والمجاز يختبئ في جيب سترته كلما مرّت عين "رئيس تحرير"..!!
حين كان الورق يتنفس حذرًا
في تلك الأيام، لم تكن المجلات تصدر من رحم الحراك الشعبي، بل من رحم المكاتب، تُطبع تحت السقف نفسه الذي تُكتب فيه بيانات الولاء.
كانت تُزيَّن بأغلفة لامعة وصور لمعارض الفن والسينما، لكنّ نبضها كان متعبًا.
كأن الورق نفسه يلهث، يتنفس بحذرٍ كي لا يُتهم بالحرية.
الكلمات كانت تمرّ عبر مقصٍّ خفي، والمقالات تُغسل من "شوائب" الرأي قبل أن ترى النور.
الترجمة.. ثوبٌ جميل
يُخفي الفقر الداخلي
امتلأت الصفحات بترجماتٍ أنيقة من لغاتٍ شتى: نيتشه يتحدث عن الهاوية، وتروتسكي يناقش المصير، ولوكاش يفسّر الوعي.
لكنّ القارئ، حين يرفع رأسه من النص، لا يجد مرآة وجهه.
كأنّ المثقف العربي آنذاك اكتفى بأن يكون صدىً لغيره، يترجم العالم بدل أن يكتبه.
تكررت الأسماء، تكررت المفاهيم، حتى صار المترجم نجمًا، والمفكر المحليّ ظلًّا في الهامش.
المثقف الحذر.. ومهنة
السير على البيض
في ذلك المناخ المرهف بين السلطة والكلمة، نشأ كائنٌ جديد: "المثقف الحذر".
يكتب كمن يزرع ألغامًا، ثم يمشي بينها بخفة راقصٍ خائف.
يعرف متى يُشير ومتى يصمت، وكيف يُخبئ نقده في هوامش النصوص.
كانت حروفه تُشبه الطيور المقصوصة الأجنحة، تعرف شكل الطيران، وتنسى المقدرة عليه.
ومن هنا بدأ الأدب يتخذ شكلَ التلميح، لا التصريح.. كأن الوطن كله صار استعارة طويلة.
من مجلات الثلاثينيات والأربعينيات
إلى ورق التأميم
يا للمفارقة!
في مجلات الثلاثينيات والأربعينيات، كان الكاتب يُمسك القلم كما يُمسك الشعلة، يكتب عن الحرية والمرأة والعدالة بلا قفازات.
بينما في فترة تأميم الصحافة (بدأت في أواخر الخمسينيات وما زالت)، صار القلم يرتدي القفاز الأبيض: أنيقًا، مطواعًا، خاليًا من الحروق.
في الأولى، كانت المقالة تُشعل سجالًا فكريًا يملأ المقاهي، والجامعات.
وفي الثانية، تُكتب المقالة لتُطفئ أي شرارة ممكنة..
كانت المجلات القديمة ميادين فكرٍ لا يهدأ، واليسار يتحاور مع اليمين في صفحاتٍ واحدة.
كانت المقالة ساحةَ نزالٍ تُدار فيها معارك الفكر كما تُدار مباريات الشطرنج، كلّ ضربة فيها فكرة، وكل دفاعٍ مشروع رؤيوي.
أما لاحقًا، فصارت الصفحات أشبه بحديقة بلا طيور، صمتٌ باذخ، ونظامٌ متأنّق، ولا شيء يحدث سوى تكرار الفكرة المطمئنة.
وانطفأت تلك الحيوية تحت رماد الاحتراز.. حتى صار الفرق بين المجلتين كالفرق بين صرخة المولود، وأنين الشيخ على سرير الرحيل.
شعار الضمير.. وتلك السخرية المرة
في السبعينيات، ولِد الشعار الجديد: "لا رقابة على الفكر إلا رقابة الضمير"، لكنّ القراء كانوا أذكى من أن يصدقوا.
فقد صار الناس يعربون الجملة بطريقتهم الخاصة: الضمير مستتر، تقديره المخابرات.
ضحك المثقفون بصوتٍ مكتوم، وواصلوا الكتابة بين الشقوق، فالمقال صار ورقة لعبٍ في يد الخوف، والكاتبُ لاعبًا ماهرًا يُخفي ورقته الرابحة تحت قميص القلب.
"ما يُنشر لا يُمثّلنا"..
أناقة التبرؤ وخوف البوح
وفي التسعينيات جاء زمن الشعار المدهون باللباقة:
"ما يُنشر هنا يعبر عن رأي الكاتب، ولا يمثل رأي المجلة".
جملةٌ تمشي على أطراف أصابعها، أنيقة كضيوف المراسم، لكنّها تخفي تحت بدلها الرسمية رعشة الخوف من المساءلة.
كانت المجلة تُلقي بالكاتب في البحر وتقول: هو من اختار السباحة!
يتلو بيانها بلغة حريرٍ بارد، بينما الحبر يرتجف في الزاوية.
هكذا صار الحرف يتيمًا بلا أبٍ ولا دار، يكتب ليُنفى، ويُنشر ليُتبرأ منه، فالمجلة تتزيّن بالحرية كما تتزيّن الأرملة بثوب العرس.
خاتمة
ذلك كان "الزمن الجميل" كما أحببناه وكما خاف منه أهله.
كان زمنًا يُكتب فيه الحلم بالحبر "السري"، ويُهرَّب فيه الوعي في حقائب المجاز.
ومع ذلك، فقد بقيت تلك المجلات، على هشاشتها، جسورًا بين عقولٍ أرادت أن تتنفس ولو في الهواء الضيق.
لم يكن ذلك جميلًا.. بالتأكيد، لكنّه كان صادقًا في خوفه، شجاعًا في خجله، وحنونًا كقلب لا يريد أن يموت.










المصدر مروان ناصح
زيارة جميع مقالات: مروان ناصح